فلتبقَ يا وطنُ
الكريمُ منارةً
إنَّ
للوطنِ مكانةً راسخةً في القلب، ومهابةً تتجاوز حدود الشعور
فحبّه ليس مجرّد عاطفة عابرة، بل هو جذورٌ
ضاربةٌ في أعماق الإنسان
تسبقُ العقلَ وتغمرُ الجسد، وتستقرّ في
الروح استقرارًا لا يزول
فالإنسانُ
بطبيعته مفطورٌ على حبّ وطنه
وهذه الفطرة هي من أقوى الروابط التي تجمع
المرء بمكان نشأته
حتى إنّ عاطفة الروح تبقى أعمق من عاطفة
الجسد
وأصدق من مجرّد الحنين؛ لأنها تتعلّق
بالمكان كما لو كان جزءًا من الكيان
ولذلك،
تخفيفُ الشريعة الإسلامية عن المسافر في عبادته
ليس إلا رحمةً بغربته، ومواساةً لشوقه إلى
موطنه
وكأنّ الشرع الشريف يُقرّ بأن فراق الوطن
ليس بالأمر الهيّن
وقد قال الحكماء:
-
الإبل
تحنُّ إلى أوطانها وإن طال عهدها بها،
-
والطير
يعود إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا،
-
والإنسان
يشتاق إلى وطنه وإن وجد في غيره خيرًا ومتاعًا
ولمّا
وقف رسول الله ﷺ أمام مكة خاطبها بأعذب كلمات الانتماء قائلاً:
"ما أطيبَكِ وأحبَّكِ إليّ، ولولا أن قومكِ
أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ"
كلماتٌ
كشفت معدنَ الانتماء، وبيّنت أن الحنين إلى الوطن
هو مِرآة الإخلاص، ودليل الصفاء، وعنوان
الوفاء
وقد
عبّر الشعراء منذ القدم عن هذا المعنى
فقال أحدهم:
وتستعذبُ
الأرضُ التي لا هوى بها *** ولا ماؤها عذبٌ، ولكنَّها وطن
ويبقى
الحنين إلى الوطن ما دام القلب يخفق، والزمن يدور
فهو شعور لا يشيخ، ولا يتغيّر، ولا يخبو
مهما ابتعدت المسافات
ومكةُ…
قبلةُ الروح وموطنُ الحنين
وجاء
هذا المعنى في قصيدة عن الوطن
متناغمًا مع الحديث عن الانتماء، حيث يكتمل
المشهد بذكر مكة الطاهرة:
أيا
مَكّةَ الطُّهرِ الحبيبةَ إنَّهُ *** قد روى المُصطفى في فضلِكِ ما يُحمَدَا
قال
الحبيبُ: أنتِ أطيبُ بُقعةٍ *** ولولا إخراجُ قومي ما تركتُكِ أبدَا
وبقيتُ
فيكِ مُعظِّمًا لِمَقَامِكِ *** وبحُبِّ خيرِ الخلقِ صِرتِ مُؤَيَّدَا
هنا
تتعانق القصيدة والنثر
ليصحبا
القارئ إلى حقيقةٍ جليلة مفادها:
أنّ
الوطن ليس مجرّد تراب، بل هو روح المرء وملاذه، وذاكرته التي لا تنطفئ
والوطن الأعظم… الجنة
وما
الوطن الدنيوي إلا ظلّ لوطنٍ أعظم يشتاق إليه كل مؤمن:
الجنة، الدار الأولى والمستقر الأبدي
التي
خُلق الإنسان ليسكنها، فوسوس الشيطان لآدم حتى خرج منها
فيبقى
المؤمن على شوقٍ أبدي لوطنه الأكبر
كما قال ابن القيم:
فحَيَّ
على جنّاتِ عدنٍ فإنها *** منازلُنا الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكنّنا
سَبيُ العدو فهل ترى *** نعودُ إلى أوطانِنا ونسلمُ؟
orent
ابوعبدالعزيز