غُربة الروح
اللوحة
الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة والاغتراب
يَمُرُّ
عَلَيَّ العِيدُ يُذْكِي
صَبَابَتِي *** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي
كَأَنَّ دُهُورِي أَعْيَادُ حُزْنٍ
إِذَا انْطَوَى *** عَلَيَّ دُجَى اللَّيْلِ الطَّوِيلِ إِلَى الغَدِ
وَنَوْحُ حَمَامِ الأَيْكِ يُوقِظُ
لَوْعَتِي ** فَمَا هَدَلَتْ إِلَّا بَوَجْدٍ فِي كَبْدِي
إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى لِلسُّتُورِ
سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي الفَقْدِ
أُسَائِلُ عَنِّي البَدْرَ حِينَ
تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ
***
اللوحة
الثانية: حنين الطفولة وكؤوس الهم
كُلَمَا
تَذَكَّرْتُ الخَوَالِيَ أَدْبَرَتْ ** قُلْتُ: لَيْتَ لَيَالِي الطُّفْلِ
تَرْجِعُ بِالوُدِّ
كَبِرْنَا
وَخَاضَ الهَمُّ فِينَا غِمَارَهُ ** فَلَيْتَ بَرَاءاتِي تَدُومُ عَلَى العَهْدِ
سَقَتْنِي
كُؤُوسُ الدَّهْرِ جُرْعَةَ عَلْقَمٍ ** وَجَارَتْ لَيَالِي الشَّيْبِ لَمْ تَرْعَ
لِي عَهْدِي
شَرِبْتُ
بِكَأْسِ الهَمِّ نِصْفَ عُقُودِهِ ** فَلَمْ أَلْقَ إِلَّا الوَجْدَ حِينَ غَدَا
نِدِّي
عَلَى
الدَّهْرِ حَسْبِي حِينَ جَارَ بِصَرْفِهِ ** وَأَوْدَعَ آلامَ الزَّمَانِ لَدَى
زَنْدِي
***
اللوحة الثالثة: نبل النفس ومناجاة
الخالق
إِذَا مَا رَأَيْتُ الخِلَّ يَمْشِي
بِخِلِّهِ ** هَمَى الدَّمْعُ يَدْعُو: "بَارِكَ اللهُ فِي السَّعْدِ
دَعَوْتُ لَهُمْ بِالخَيْرِ رَغْمَ
مَوَاجِعِي ** وَلَوْ كَانَ جَمْرُ الحُزْنِ يَحْرِقُ فِي كَبْدِي
فَمَا كَانَ قَلْبِي بِالحُسُودِ
وَإِنَّمَا ** رَمَانِي زَمَانِي بِالشَّتَاتِ وَبِالفَقْدِ
أَرَى كُلَّ إِلْفَيْنِ (1) اسْتَقَامَ
وِئَامُهُمْ ** وَأَبْقَى أَنَا فِي الوِحْدَةِ المُرَّةِ المَهْدِي
فَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
سَكِينَةً ** تُدَاوِي جِرَاحاً نَزْفُهَا زَادَ عَنْ حَدِّي
***
اللوحة الرابعة: تساؤلات الغرام
أَهَذَا الهَوَى مِثْلُ الفِرَاقِ
بِمُرِّهِ ** فَإِنِّيَ لَمْ أَعْرِفْ سِوَى لَوْعَةِ الفَقْدِ
فَقُلْ لِي أَيَا مَنْ ذَاقَ
بِالعِشْقِ وَصْلَهُ ** أَيُورِقُ غُصْنُ الحُبِّ فِي زَمَنِ الجَحْدِ
أَمِ الحُبُّ بَحْرٌ خَادِعٌ
بِمِيَاهِهِ ** فَيُرْمَى بِهِ الغِرُّ الشَّقِيُّ عَلَى البُعْدِ
أَرَى النَّاسَ عُشَّاقاً وَأَعْجَبُ مِنْهُمُ **
أَيَلْتَذُّ مَسْلُوبُ الفُؤَادِ بِمَا يُرْدِي
فَإِنْ كَانَ نَاراً فَالجَوَى قَدْ أَذَابَنِي
** وَإِنْ كَانَ شَهْداً فَاسْقِنِي ذَلِكَ الشَّهْدي
***
اللوحة الخامسة: كبرياء اليقين
فَمَا هَزَّنِي رِيحٌ وَلَا خَارَ
مَنْكِبِي ** وَلَا انْحَنَى عَزْمِي وَلَا انْهَدَّ لِي جَلَدِي
إِذَا جَرَفَتْ غَيْرِي السُّيُولُ
فَإِنَّنِي ** ثَبَاتٌ كَطَوْدٍ شَامِخٍ دُونَهُ حَدِّي
شَدِيدٌ بَأْسِي فِي الشَّدَائِدِ
لَمْ يَزَلْ ** وَإِنْ زَادَ مَوْجُ الدَّهْرِ لَمْ يُثْنِ مِنْ كَدِّي
أَسِيرُ بِإِيمَانٍ كَأَنَّ
يَقِينِيَ ** لِسَانُ رَجَاءٍ صَادِقٍ صَانَ لِي عَهْدِي
فَلَا اليَأْسُ يَغْزُونِي وَرَبِّي
مُعِينُنِي ** وَخَابَ الَّذِي يَرْجُو العَطِيَّةَ مِنْ عَبْدِ
***
اللوحة السادسة: الركون إلى لطف الله
ضَلَلْتُ بِأَوْهَامِي وَرَجَوْتُ
خَالِقِي ** بِأَنْ يَلْطُفَ المَوْلَى وَيَكْشِفَ مَا عِنْدِي
فَحَالِيَ صَعْبٌ وَالمَشِيبُ غَزَا
الصِّبَا ** وَلَوْلَا رَجَاءُ اللهِ لَانْهَارَ لِي سَدِّي
إِلَيْكَ رَفَعْتُ الكَفَّ أَبْغِي
سَكِينَةً ** فَأَنْتَ غِيَاثِي حِينَ يَعْصِفُ بِي كَرْبِي
فَيَا لَطِيفاً بِالعِبَادِ إِذَا
قَسَا ** زَمَانِي عَلَيَّ وَاسْتُبِيحَ بِهِ جَهْدِي
أَنِلْنِي مِنَ الأَلْطَافِ فَيْضاً
لَعَلَّنِي ** أَرَى لِشِتَاتِ الرُّوحِ بَعْدَ النَّوَى بَعْدِي
***
اللوحة السابعة: ملاذُ الانكسار
وَعِيدُ الغَرِيبِ الدَّمْعُ يَجْرِي
بِجَوْفِهِ ** وَتَظْهَرُ مِنْ صَدْرٍ أَنِينًا بِلَا رَدِّ
أَيَا نَفْسُ صَبْراً، ذَا قَضَاءُ
إِلَهِنَا ** فَسِيرِي بِدَرْبٍ، فَالصَّبَاحُ عَلَى وَعْدِ
سَيَجْلُو ظَلَامَ الهَمِّ نُورٌ مُؤَمَّلٌ **
وَيَنْبُتُ زَهْرُ الوَصْلِ فِي جَدَبِ السُّهْدِ
فَمَا خَابَ مَنْ كَانَ الرَّجَاءُ طَرِيقَهُ **
إِلَى مَنْ لَهُ الإِجْلَالُ فِي المَنْشَإِ الفَرْدِي
خَتَمْتُ قَصِيدِي وَالجِرَاحُ
كَلِيمَةٌ ** فَيَا رَبِّ سَكِّنْ لَوْعَتِي وَاجْبُرَ فَقْدِي
***
1-
الإِلْف (بكسر الهمزة): هو الصديق المألوف، أو الحبيب، أو
الأنيس. وتقول العرب (فلانٌ إِلْفي) أي صديقي الذي آلفه
غُربةُ الرُّوح
ليست غربةُ الروحِ حكايةً تُروى، ولا
شعورًا عابرًا يُوصف، بل هي سرٌّ دفينٌ لا يُدركه إلا من سكن أعماقَه وذاق
مرارتَه. هي وجعٌ صامتٌ يتكئ في زوايا الوجدان، لا يُفصح عن نفسه إلا لمن أضناه
الألم، وأثقلته التجارب، فصار يسمع في داخله صدى الوحدة وإن كان بين الجموع.
وغالبًا ما تزور هذه الغربةُ
الإنسانَ في خريف عمره، حين تتباعدُ الأزمنة بينه وبين من حوله، فيغدو غريبًا في
بيته، وبين أهله، وفي مجتمعه. ليس لأنهم تغيّروا فحسب، بل لأن الزمن نفسه قد مضى
به إلى ضفةٍ أخرى؛ جيلٌ غير جيله، وفكرٌ لا يشبه فكره، وعاداتٌ تبدّلت حتى غدت
مألوفاته غريبةً عليه.
أما الأصدقاء الذين كانوا يشاركونه
ضحكات الأمس، فقد تفرّقوا في دروب الحياة؛ منهم من واراه التراب، ومنهم من أقعده
المرض، ومنهم من آثر العزلة، فبقي وحده، لا باختياره، بل بقَدَرٍ كُتب عليه. وكيف
له أن يعود شابًا، وقد عبر العمرُ به ما عبر؟
قد يُقال له: جالسِ الناس، واختلط
بهم. فيحاول، ويجلس، فيُحاط باحترامٍ عابر، لكنه سرعان ما يشعر بأنه زائدٌ عن
السياق، دخيلٌ على حديثٍ لا يُشبهه. أفكارهم ليست أفكاره، واهتماماتهم ليست
اهتماماته، وحديثهم يدور في فلكٍ لا مدار له فيه، فينسحب بصمت، كغريبٍ أدرك أن
حضوره عبءٌ على غيره.
وهنا يتجلّى الفارق؛ فمَن وجد لنفسه
شغفًا أو رسالةً، بقي حيًّا في الناس وإن تقدّم به العمر: يدرّب، أو يكتب، أو
يُنير العقول بخبرته، فيخالط المجتمع من نافذةٍ أخرى. أمّا من خلا من مهارةٍ أو
شغف، فإن غربة الروح قد تفتك به، حتى يُصبح شاهدًا على الحياة لا شريكًا فيها،
حاضرًا كرقمٍ لا يُلتفت إليه، كأثاثٍ صامتٍ على هامش الأيام.
ومع ذلك، يبقى في العمر فسحةٌ لمن
أراد أن يلوّن وحدته: بسفرٍ يُجدّد الروح، أو رياضة مشيٍ يُعيد صلته بالأرض، أو
تأمّلٍ يُهدهد القلب. فليست الغربةُ نهايةً، بل حالةٌ يمكن التعايش معها، بل وربما
الترفّق بها.
وهذه سنّة الحياة؛ أطوارٌ تتعاقب:
طفولةٌ، فمراهقةٌ، فرشدٌ، فكهولةٌ، فشيخوخةٌ، حتى يبلغ الإنسان أرذل العمر، كما
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ
خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ
لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
فلا تُثقلوا على أبنائكم بالعتب، ولا
تُحمّلوهم ما لا يطيقون؛ فلهم أعمارهم وأعباؤهم كما كان لكم من قبل. وتذكّروا أن
لكل مرحلةٍ جمالها، وإن خفي.
وأمّا أنا، فقد عبرتُ هذه المراحل
بعين الرضا؛ ففي العشرين شيّدتُ أول بيتٍ لي، وفي الستين بعته، وبدأتُ رحلةً جديدة
مع بناءٍ آخر، بين المرض وتعب العمل، دون أن أعاتب أحدًا من الابناء. لكلٍّ شأنه،
ولكلٍّ حياته. حتى اكتمل البيت، وعادت العافية بعد المرض، وها أنا أعيش في ذلك
البيت وحيدًا… لكنّي لست حزينًا.
فالوحدةُ ليست دائمًا فراغًا، بل قد
تكون امتلاءً من نوعٍ آخر.
اللوحة الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة
والاغتراب
يمُرُّ عَلَيَّ
العِيدُ يُذْكِي صَبَابَتِي ** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي
وَدَهْرِيَ أَعْيَادٌ
إِذَا اللَّيْلُ لَفَّنِي ** أُقَلِّبُ أَشْجَانِي إِلَى صَبَحِ الغَدِ
وَنَوْحُ حَمَامِ
الأَيْكِ يُوقِظُ لَوْعَتِي ** فَكُلَّمَا غَنَّى تَأَجَّجَ فِي كَبْدِي
إِذَا اللَّيْلُ
أَرْخَى لِلسُّتُورِ سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي
الفَقْدِ
أُسَائِلُ عَنِّي
البَدْرَ حِينَ تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ
تتكشّف في هذه الأبيات لوحةٌ شعريّةٌ
موغلةٌ في الشجن،
تتداخل فيها ملامح اغترابي النفسي مع
صراعٍ مريرٍ مع الزمن.
ففي كلِّ عيدٍ يمرّ، لا يحفّني
الفرحُ الذي يترقّبه الملأ
بل ينهضُ في قلبي شوقٌ عتيق وحنينٌ
لا تذروه رياح النسيان
حيث غدت أيّامي لا تفقهُ لغةَ
الأعياد، بل باتَت مواسمَ للأسى
فالعيد عندي لا يطرق الباب بوصفه بشارةً أو فسحةَ فرح
بل يحضر كمعولٍ قاسٍ يهدم أسوار الصمت
ليوقظ تحت الركام ذكرياتٍ ظننتها
وُوريت إلى الأبد
هنا تنبثق المفارقة الشعوريّة
الحادّة؛ إذ ينقلب العيد من مظنّةٍ للبهجة إلى وقودٍ يُذكي لظى الشوق والصبابة
فأغدو معزولًا عن ضجيج المهنّئين،
متروكًا لسهدي الطويل
أرقب حركة النجوم كأن بيني وبين ليل
الساهرين لغةً خفيّة لا يفكّ شفرتها سوى الوحدة.. جليسي الدائم
وكلما أرخى الليلُ سدوله، وأطبق
بسكونه الرّصين على أنفاس الوجود
يتحول هذا الظلام إلى مرآةٍ للدهر
تُعمّم مأساتي وتكرّسها
فلا يعود الحزن عارضًا طارئًا، بل
يغدو (أعيادًا) متصلة
ومع انسدال الدجى، يثقل وطء الزمن على الروح
فيغدو الليل بساطًا أسود يطوي تحته آلامًا لا تنقضي بطلوع الفجر
بل تزدادُ حصاراً ككائنٍ حيٍّ يفرض
سطوته على المكان، ويمتدُّ ليلِي كأن لا فجرَ يتلوه
حاملاً بين طيّاته أطيافاً من
الذكرى، حتى يغدو الغدُ بعيداً كأمنيةٍ عصيّةٍ لا تُنال
وفي تناغمٍ موجع مع الطبيعة، يطلّ
حمام الأيك رمزاً اكتسى صبغةً ذاتيّة
فهديلهُ لا يُسمع غناءً، بل نوحًا
يتقاطع مع أنين القلب
ثمّة وحدة حال بيني وبين هذا الكائن
الساجع؛ فكل نغمةٍ تنفلت من حنجرته، يرتدّ صداها جرحًا غائرًا في الكبد
وكأنَّ هَديله ليس إلا ترجمةً صادقة
لما يعتصر الفؤاد من ألمٍ واشتياق
في هذا الطوق، يتحوّل القلب من مضغةٍ
نابضة إلى عينٍ دامية
لا تجيد سوى البكاء في محراب حزنها،
تسكب الدمع صمتاً وتتفجّع على ما مضى
وكأنَّ الفقد قد امتزج بطين الروح
فلا يفارقها
وتكتمل الصورة في لحظة صَفَاءٍ
موجعة، حين تكون المناجاة بالوقوف أمام البدر في تمامه
لا غزلًا في ضيائه، بل بحثاً عن مرسى
في بحر ليالٍ مثقلة بالوجد
إنه تساؤلٌ وجوديٌّ يشفّ عن يأسٍ
رقيق:
أما لليالي الحزن، يا بدرُ، من حدّ؟
إنه نداء الغريق، واستفهامٌ يرجو
انقشاع هذه الغمّة
علّ الفجر يأتي يومًا أقلَّ قسوةً من
ليلٍ طال أمده واستبدّت به ظلال الذكريات
orent
أبو عبد العزيز
.