الأربعاء، 27 مايو 2026

غُربة الروح

 


غُربة الروح

اللوحة الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة والاغتراب

يَمُرُّ عَلَيَّ العِيدُ يُذْكِي صَبَابَتِي *** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي

كَأَنَّ دُهُورِي أَعْيَادُ حُزْنٍ إِذَا انْطَوَى *** عَلَيَّ دُجَى اللَّيْلِ الطَّوِيلِ إِلَى الغَدِ

وَنَوْحُ حَمَامِ الأَيْكِ يُوقِظُ لَوْعَتِي ** فَمَا هَدَلَتْ إِلَّا بَوَجْدٍ فِي كَبْدِي

إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى لِلسُّتُورِ سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي الفَقْدِ

أُسَائِلُ عَنِّي البَدْرَ حِينَ تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ

***

اللوحة الثانية: حنين الطفولة وكؤوس الهم

كُلَمَا تَذَكَّرْتُ الخَوَالِيَ أَدْبَرَتْ ** قُلْتُ: لَيْتَ لَيَالِي الطُّفْلِ تَرْجِعُ بِالوُدِّ

كَبِرْنَا وَخَاضَ الهَمُّ فِينَا غِمَارَهُ ** فَلَيْتَ بَرَاءاتِي تَدُومُ عَلَى العَهْدِ

سَقَتْنِي كُؤُوسُ الدَّهْرِ جُرْعَةَ عَلْقَمٍ ** وَجَارَتْ لَيَالِي الشَّيْبِ لَمْ تَرْعَ لِي عَهْدِي

شَرِبْتُ بِكَأْسِ الهَمِّ نِصْفَ عُقُودِهِ ** فَلَمْ أَلْقَ إِلَّا الوَجْدَ حِينَ غَدَا نِدِّي

عَلَى الدَّهْرِ حَسْبِي حِينَ جَارَ بِصَرْفِهِ ** وَأَوْدَعَ آلامَ الزَّمَانِ لَدَى زَنْدِي
***

اللوحة الثالثة: نبل النفس ومناجاة الخالق

إِذَا مَا رَأَيْتُ الخِلَّ يَمْشِي بِخِلِّهِ ** هَمَى الدَّمْعُ يَدْعُو: "بَارِكَ اللهُ فِي السَّعْدِ

دَعَوْتُ لَهُمْ بِالخَيْرِ رَغْمَ مَوَاجِعِي ** وَلَوْ كَانَ جَمْرُ الحُزْنِ يَحْرِقُ فِي كَبْدِي

فَمَا كَانَ قَلْبِي بِالحُسُودِ وَإِنَّمَا ** رَمَانِي زَمَانِي بِالشَّتَاتِ وَبِالفَقْدِ

أَرَى كُلَّ إِلْفَيْنِ (1) اسْتَقَامَ وِئَامُهُمْ ** وَأَبْقَى أَنَا فِي الوِحْدَةِ المُرَّةِ المَهْدِي

فَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سَكِينَةً ** تُدَاوِي جِرَاحاً نَزْفُهَا زَادَ عَنْ حَدِّي

***

اللوحة الرابعة: تساؤلات الغرام 

أَهَذَا الهَوَى مِثْلُ الفِرَاقِ بِمُرِّهِ ** فَإِنِّيَ لَمْ أَعْرِفْ سِوَى لَوْعَةِ الفَقْدِ

 فَقُلْ لِي أَيَا مَنْ ذَاقَ بِالعِشْقِ وَصْلَهُ ** أَيُورِقُ غُصْنُ الحُبِّ فِي زَمَنِ الجَحْدِ

أَمِ الحُبُّ بَحْرٌ خَادِعٌ بِمِيَاهِهِ ** فَيُرْمَى بِهِ الغِرُّ الشَّقِيُّ عَلَى البُعْدِ

 أَرَى النَّاسَ عُشَّاقاً وَأَعْجَبُ مِنْهُمُ ** أَيَلْتَذُّ مَسْلُوبُ الفُؤَادِ بِمَا يُرْدِي

 فَإِنْ كَانَ نَاراً فَالجَوَى قَدْ أَذَابَنِي ** وَإِنْ كَانَ شَهْداً فَاسْقِنِي ذَلِكَ الشَّهْدي

***

اللوحة الخامسة: كبرياء اليقين

فَمَا هَزَّنِي رِيحٌ وَلَا خَارَ مَنْكِبِي ** وَلَا انْحَنَى عَزْمِي وَلَا انْهَدَّ لِي جَلَدِي

إِذَا جَرَفَتْ غَيْرِي السُّيُولُ فَإِنَّنِي ** ثَبَاتٌ كَطَوْدٍ شَامِخٍ دُونَهُ حَدِّي

شَدِيدٌ بَأْسِي فِي الشَّدَائِدِ لَمْ يَزَلْ ** وَإِنْ زَادَ مَوْجُ الدَّهْرِ لَمْ يُثْنِ مِنْ كَدِّي

أَسِيرُ بِإِيمَانٍ كَأَنَّ يَقِينِيَ ** لِسَانُ رَجَاءٍ صَادِقٍ صَانَ لِي عَهْدِي

فَلَا اليَأْسُ يَغْزُونِي وَرَبِّي مُعِينُنِي ** وَخَابَ الَّذِي يَرْجُو العَطِيَّةَ مِنْ عَبْدِ

***

اللوحة السادسة: الركون إلى لطف الله

ضَلَلْتُ بِأَوْهَامِي وَرَجَوْتُ خَالِقِي ** بِأَنْ يَلْطُفَ المَوْلَى وَيَكْشِفَ مَا عِنْدِي

 فَحَالِيَ صَعْبٌ وَالمَشِيبُ غَزَا الصِّبَا ** وَلَوْلَا رَجَاءُ اللهِ لَانْهَارَ لِي سَدِّي

إِلَيْكَ رَفَعْتُ الكَفَّ أَبْغِي سَكِينَةً ** فَأَنْتَ غِيَاثِي حِينَ يَعْصِفُ بِي كَرْبِي

 فَيَا لَطِيفاً بِالعِبَادِ إِذَا قَسَا ** زَمَانِي عَلَيَّ وَاسْتُبِيحَ بِهِ جَهْدِي

 أَنِلْنِي مِنَ الأَلْطَافِ فَيْضاً لَعَلَّنِي ** أَرَى لِشِتَاتِ الرُّوحِ بَعْدَ النَّوَى بَعْدِي

***

اللوحة السابعة: ملاذُ الانكسار

 وَعِيدُ الغَرِيبِ الدَّمْعُ يَجْرِي بِجَوْفِهِ ** وَتَظْهَرُ مِنْ صَدْرٍ أَنِينًا بِلَا رَدِّ

أَيَا نَفْسُ صَبْراً، ذَا قَضَاءُ إِلَهِنَا ** فَسِيرِي بِدَرْبٍ، فَالصَّبَاحُ عَلَى وَعْدِ

 سَيَجْلُو ظَلَامَ الهَمِّ نُورٌ مُؤَمَّلٌ ** وَيَنْبُتُ زَهْرُ الوَصْلِ فِي جَدَبِ السُّهْدِ

 فَمَا خَابَ مَنْ كَانَ الرَّجَاءُ طَرِيقَهُ ** إِلَى مَنْ لَهُ الإِجْلَالُ فِي المَنْشَإِ الفَرْدِي

خَتَمْتُ قَصِيدِي وَالجِرَاحُ كَلِيمَةٌ ** فَيَا رَبِّ سَكِّنْ لَوْعَتِي وَاجْبُرَ فَقْدِي

***

1-    الإِلْف (بكسر الهمزة): هو الصديق المألوف، أو الحبيب، أو الأنيس. وتقول العرب (فلانٌ إِلْفي) أي صديقي الذي آلفه

 

غُربةُ الرُّوح

ليست غربةُ الروحِ حكايةً تُروى، ولا شعورًا عابرًا يُوصف، بل هي سرٌّ دفينٌ لا يُدركه إلا من سكن أعماقَه وذاق مرارتَه. هي وجعٌ صامتٌ يتكئ في زوايا الوجدان، لا يُفصح عن نفسه إلا لمن أضناه الألم، وأثقلته التجارب، فصار يسمع في داخله صدى الوحدة وإن كان بين الجموع.

وغالبًا ما تزور هذه الغربةُ الإنسانَ في خريف عمره، حين تتباعدُ الأزمنة بينه وبين من حوله، فيغدو غريبًا في بيته، وبين أهله، وفي مجتمعه. ليس لأنهم تغيّروا فحسب، بل لأن الزمن نفسه قد مضى به إلى ضفةٍ أخرى؛ جيلٌ غير جيله، وفكرٌ لا يشبه فكره، وعاداتٌ تبدّلت حتى غدت مألوفاته غريبةً عليه.

أما الأصدقاء الذين كانوا يشاركونه ضحكات الأمس، فقد تفرّقوا في دروب الحياة؛ منهم من واراه التراب، ومنهم من أقعده المرض، ومنهم من آثر العزلة، فبقي وحده، لا باختياره، بل بقَدَرٍ كُتب عليه. وكيف له أن يعود شابًا، وقد عبر العمرُ به ما عبر؟

قد يُقال له: جالسِ الناس، واختلط بهم. فيحاول، ويجلس، فيُحاط باحترامٍ عابر، لكنه سرعان ما يشعر بأنه زائدٌ عن السياق، دخيلٌ على حديثٍ لا يُشبهه. أفكارهم ليست أفكاره، واهتماماتهم ليست اهتماماته، وحديثهم يدور في فلكٍ لا مدار له فيه، فينسحب بصمت، كغريبٍ أدرك أن حضوره عبءٌ على غيره.

وهنا يتجلّى الفارق؛ فمَن وجد لنفسه شغفًا أو رسالةً، بقي حيًّا في الناس وإن تقدّم به العمر: يدرّب، أو يكتب، أو يُنير العقول بخبرته، فيخالط المجتمع من نافذةٍ أخرى. أمّا من خلا من مهارةٍ أو شغف، فإن غربة الروح قد تفتك به، حتى يُصبح شاهدًا على الحياة لا شريكًا فيها، حاضرًا كرقمٍ لا يُلتفت إليه، كأثاثٍ صامتٍ على هامش الأيام.

ومع ذلك، يبقى في العمر فسحةٌ لمن أراد أن يلوّن وحدته: بسفرٍ يُجدّد الروح، أو رياضة مشيٍ يُعيد صلته بالأرض، أو تأمّلٍ يُهدهد القلب. فليست الغربةُ نهايةً، بل حالةٌ يمكن التعايش معها، بل وربما الترفّق بها.

وهذه سنّة الحياة؛ أطوارٌ تتعاقب: طفولةٌ، فمراهقةٌ، فرشدٌ، فكهولةٌ، فشيخوخةٌ، حتى يبلغ الإنسان أرذل العمر، كما قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

فلا تُثقلوا على أبنائكم بالعتب، ولا تُحمّلوهم ما لا يطيقون؛ فلهم أعمارهم وأعباؤهم كما كان لكم من قبل. وتذكّروا أن لكل مرحلةٍ جمالها، وإن خفي.

وأمّا أنا، فقد عبرتُ هذه المراحل بعين الرضا؛ ففي العشرين شيّدتُ أول بيتٍ لي، وفي الستين بعته، وبدأتُ رحلةً جديدة مع بناءٍ آخر، بين المرض وتعب العمل، دون أن أعاتب أحدًا من الابناء. لكلٍّ شأنه، ولكلٍّ حياته. حتى اكتمل البيت، وعادت العافية بعد المرض، وها أنا أعيش في ذلك البيت وحيدًا… لكنّي لست حزينًا.

فالوحدةُ ليست دائمًا فراغًا، بل قد تكون امتلاءً من نوعٍ آخر.


اللوحة الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة والاغتراب

يمُرُّ عَلَيَّ العِيدُ يُذْكِي صَبَابَتِي ** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي

وَدَهْرِيَ أَعْيَادٌ إِذَا اللَّيْلُ لَفَّنِي ** أُقَلِّبُ أَشْجَانِي إِلَى صَبَحِ الغَدِ

وَنَوْحُ حَمَامِ الأَيْكِ يُوقِظُ لَوْعَتِي ** فَكُلَّمَا غَنَّى تَأَجَّجَ فِي كَبْدِي

إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى لِلسُّتُورِ سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي الفَقْدِ

أُسَائِلُ عَنِّي البَدْرَ حِينَ تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ

تتكشّف في هذه الأبيات لوحةٌ شعريّةٌ موغلةٌ في الشجن،

تتداخل فيها ملامح اغترابي النفسي مع صراعٍ مريرٍ مع الزمن.

ففي كلِّ عيدٍ يمرّ، لا يحفّني الفرحُ الذي يترقّبه الملأ

بل ينهضُ في قلبي شوقٌ عتيق وحنينٌ لا تذروه رياح النسيان

حيث غدت أيّامي لا تفقهُ لغةَ الأعياد، بل باتَت مواسمَ للأسى

فالعيد عندي لا يطرق الباب بوصفه بشارةً أو فسحةَ فرح

بل يحضر كمعولٍ قاسٍ يهدم أسوار الصمت

ليوقظ تحت الركام ذكرياتٍ ظننتها وُوريت إلى الأبد

هنا تنبثق المفارقة الشعوريّة الحادّة؛ إذ ينقلب العيد من مظنّةٍ للبهجة إلى وقودٍ يُذكي لظى الشوق والصبابة

فأغدو معزولًا عن ضجيج المهنّئين، متروكًا لسهدي الطويل

أرقب حركة النجوم كأن بيني وبين ليل الساهرين لغةً خفيّة لا يفكّ شفرتها سوى الوحدة.. جليسي الدائم

وكلما أرخى الليلُ سدوله، وأطبق بسكونه الرّصين على أنفاس الوجود

يتحول هذا الظلام إلى مرآةٍ للدهر تُعمّم مأساتي وتكرّسها

فلا يعود الحزن عارضًا طارئًا، بل يغدو (أعيادًا) متصلة

ومع انسدال الدجى، يثقل وطء الزمن على الروح

فيغدو الليل بساطًا أسود يطوي تحته آلامًا لا تنقضي بطلوع الفجر

بل تزدادُ حصاراً ككائنٍ حيٍّ يفرض سطوته على المكان، ويمتدُّ ليلِي كأن لا فجرَ يتلوه

حاملاً بين طيّاته أطيافاً من الذكرى، حتى يغدو الغدُ بعيداً كأمنيةٍ عصيّةٍ لا تُنال

وفي تناغمٍ موجع مع الطبيعة، يطلّ حمام الأيك رمزاً اكتسى صبغةً ذاتيّة

فهديلهُ لا يُسمع غناءً، بل نوحًا يتقاطع مع أنين القلب

ثمّة وحدة حال بيني وبين هذا الكائن الساجع؛ فكل نغمةٍ تنفلت من حنجرته، يرتدّ صداها جرحًا غائرًا في الكبد

وكأنَّ هَديله ليس إلا ترجمةً صادقة لما يعتصر الفؤاد من ألمٍ واشتياق

في هذا الطوق، يتحوّل القلب من مضغةٍ نابضة إلى عينٍ دامية

لا تجيد سوى البكاء في محراب حزنها، تسكب الدمع صمتاً وتتفجّع على ما مضى

وكأنَّ الفقد قد امتزج بطين الروح فلا يفارقها

وتكتمل الصورة في لحظة صَفَاءٍ موجعة، حين تكون المناجاة بالوقوف أمام البدر في تمامه

لا غزلًا في ضيائه، بل بحثاً عن مرسى في بحر ليالٍ مثقلة بالوجد

إنه تساؤلٌ وجوديٌّ يشفّ عن يأسٍ رقيق:

أما لليالي الحزن، يا بدرُ، من حدّ؟

إنه نداء الغريق، واستفهامٌ يرجو انقشاع هذه الغمّة

علّ الفجر يأتي يومًا أقلَّ قسوةً من ليلٍ طال أمده واستبدّت به ظلال الذكريات

   orent

أبو عبد العزيز 


.

السبت، 10 يناير 2026

آيَة الْحُسْنِ وَعِفَّة النَّظَر

 


آيَةُ الْحُسْنِ وَعِفَّةُ النَّظَرْ

لَمَّا بَدَا الْبَدْرُ يُجْلِي ظُلْمَةً *** الليل وَأَضَاءَ بِالسَّنَا وَأَسْفَرْ

وَانْثَنَى بِالنُّورِ حَتَّى عَمَّنَا *** وَغَشَى جَمِيعَ الْأَرْضِ ثُمَّ انْتَشَرْ

لَاحَتْ بِرِيَاضِ الْعِزِّ ظَبْيَةُ حُسْنٍ *** تَسْلُبُ اللُّبَّ قَسْراً وَالْبَصَرْ

لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً زَادَهَا *** رَهْبَةً َ وَهْيَ بِهِ قَدْ تَسْتَتِرْ

تَجْلُو دُجَى اللَّيْلِ بِوَجْهٍ كَالضُّحَى *** نَابَتْ إِذَا مَا غَابَ عَنَّا الْقَمَرْ

***

تُضِيءُ لَيْلَ "الرِّيَاضِ" بِنُورِ وَجْهٍ *** كَالصُّبْحِ حِينَ يَبِينُ فِي وَضَحِ السَّحَرْ

سَحَرَتْ أَنَامًا بِتَوْرِيْدٍ، فَحَارَتْ فِيـ *** ـهَا النُّهَى، وَتَوَارَى الْفِكْرُ وَالْحَذَرْ

قَدْ أُكْمِلَ الْحُسْنُ فِيهَا حِينَ صَوَّرَهُ *** رَبِّي، فَـقَصَّرَ فِي أَوْصَافِهَا الشِّعِرْ

تَجَلَّى الْجَمَالُ بِهَا فَأَصْبَحَتْ "رُؤىً" *** صَاغَ الْجَمَالَ لَهَا الرَّبُّ الْمُقْتَدِرْ

سُبْحَانَ مَنْ أَبْدَعَ فِي تَكْوِيْنِهِا حُسْنًا *** حَتَّى بَدَا فِي صُنْعِهِ أَبْهَى الأَثَرْ

****

لَمْ تَرَ عَيْنِي شَبَهًا لِحُسْنِـهَا *** وَلَا مَثِيـلَ لَهَا سِوَى نُسْخَةِ الْقَمَرْ

فَإِنْ رَنَتْ خِلْتَ فِيهَا الرِّيمَ جَافِلَةً *** وَإِنْ هِيَ سَفَرَتْ لَاحَ السَّنَا الأَغَرْ

تَبَسُّمُ الثَّغْرِ لِلْأَلْبَابِ فَاتِنٌ *** وَمَا غَرَامِيَ وَصْفُ ذَاكَ الثَّغَرْ

هِيَ أُولَى الرُّؤَى بِفُؤَادِي قَبْلَمَا *** يَهْوِي الْهَوَى بَيْنَ الْحَنَايَا وَيَسْتَقِرْ

فَاقَ الْجَمَالُ بِحُسْنِهَا كُلَّ الْمُنَى *** وَغَدَا ضِيَاءً فِي الدُّجَى لِمَنْ نَظَرْ

****

لَمَّا خَشِيَ اللَّحْظَ مِنِّي انْـثَـنَى *** وَأَسْدَلَ فَوْقَ الْـمُحَيَّا الشَّعَرْ

أَسْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ *** وَأَنَا نِلْتُ نَصِيبِي مِنْ سِتَرْ

فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ إِلَهِي، فَقُلْـ *** ـتُ طَوْعاً لِرَبِّي: ثُمَّ كَفَفْتُ الْبَصَرْ

لَا لِضَعْفٍ، بَلْ لِخَوْفِي مِنْ مَقَاـ *** ـمٍ لَدَى رَبٍّ عَظِيْمٍ مُقْتَدِرْ

فِي غَضِّ طَرْفِكَ مَنْجَاةٌ، وَبِالـ *** ـعَفَافِ تَزْكُو حَمِيدَةُ السِّيَرْ

***

بِكْرُ الرُّؤَى حَلَّتْ بِقَلْبِي، وَلَكِنْ *** نَظْرَةٌ فِي الضُّلُوعِ تزيدُ الشَّرَرْ

خِـفْتُ أَنْ يَـسْتَبِيَ قَـلْبِي هَـوَاهَا *** فَالْهَوَى إِنْ تَمَادَى طَغَى وَاسْتَعَرْ

فَاحْتَمَيْتُ التُّقَى وَقَيَّدْتُ نَفْسِي *** إِنَّمَا النَّفْسُ إِنْ تُهْمَلْ تَغَرْ

إِذْ هَمَمْتَ بِذَنْبٍ جَنِّبِ النَّفْسَ *** عَنْ هَوَاهَا، بِالصَّبْرِ أَوْ بِالنَّصْرْ

رُبَّ نَظْرَةِ عَيْنٍ تَجُرُّ بَلَاءً *** فَالْعُيُونُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرْ


وقفة أدبية:

 وإذا كانت العفةُ هي لجامَ النفس عن الهوى، فإنَّ الوفاءَ بالعهود هو ميزانُ الرجولة

فما فائدةُ أن يغضَّ الإنسانُ بصره تقوىً

ثم يفتحَ باباً للعلاقات التي تضيعُ فيها الحقوقُ تحت مسمى (زواج المسيار)

إنَّ هذا الزواج قد يظنه البعضُ مخرجاً، لكنه في الحقيقة يبدأ بليالٍ وردية

 وينتهي بمرارةٍ صامتة وحقوقٍ منسيّة

وقصصٍ تُروى في أروقة المحاكم وخلف الأبواب المغلقة

هو وعدٌ ورديّ في أوله، ثم صمتٌ طويل وحقوقٌ تذوب في مهبّ الكتمان

وكأنني أردتُ بتلك العفة في قصيدتي أن أمهد للطريق الواضح الذي لا خفاء فيه

فالحبُّ الذي لا يحميه العلنُ والوفاء، تقتله الظنونُ والضياع

وفي هذا أقول تذييلاً لما سبق:

عَقَدوا المَوَدَّةَ في خَفـاءِ مَساكنٍ *** والحقُّ يَهوي في دُجى الكِتمانِ

بَدأَتْ لياليهمْ زُهـوراً غَضَّـةً *** والوعدُ ورديٌّ بـلا عُنــــــوانِ

حتى إذا مـالَ الزمانُ بِحِملِـهِ *** ذابَتْ حُقوقُ الأهلِ والخِــــلاّنِ

يا باحِثاً خلفَ الستارِ عنِ الهَنا *** هيهاتَ يُبنى الصّرحُ دونَ أمانِ

طهر العفة وعتمة الخفاء

وفي قراءة تحليلية لثنائية الستر بين طهر العفة وعتمة الخفاء

يتجلى في النص تضاد فني غائر العمق يعيد تشكيل مفهوم الستر في الوعي الإنساني

واضعاً إياه بين كفتين متقابلتين

ففي الكفة الأولى يبرز الستر كقيمة سامية وعفة للمآل

حيث ينبثق من الشطر الأول كدثار من الطهر والخصوصية تجسده عبارة (لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً)

وفي هذا الموضع يتواطأ الليل مع العفة ليخلق فضاءً من القداسة والجمال فليس الستر هنا إخفاءً لعيب

بل هو صون لجوهر ثمين لا يُبذل إلا في حماه

وعلى النقيض تماماً يبرز الستر في كفته الثانية كأداة للمراوغة وخيانة للحقوق في صورة مذمومة

تسعى للتنصل من الاستحقاقات الإنسانية وهو ما تترجمه عبارة (عقدوا المودة في خفاء)

إذ يتحول الستر في هذا السياق إلى رداء يغلف ضياع الحقوق وهضم الأمانات

فتصبح السرية وسيلة للهروب من المسؤوليات الاجتماعية والضوابط القانونية

أما البُعد الفلسفي لهذا التضاد فإن هذا التباين الحاد بين

1-     الستر المحمود الذي يحفظ الكرامة والتي رمزت لها بقولي: (لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً) هنا الستر كقيمة أخلاقية

2-     والستر المذموم الذي يهدر العدالة السلبي: (عقدوا المودة في خفاء) والستر هنا كأداة للتنصل من المسؤوليات الاجتماعية والقانونية

إن هذا التباين الحاد بين الستر المحمود (الذي يحفظ الكرامة) والستر المذموم (الذي يهدر العدالة)

يمنح النص أبعاداً نفسية واجتماعية متداخلة؛ فهو لا يكتفي بوصف الحالة

بل يغوص في المسافة الفاصلة بين (الخصوصية) التي تبني الإنسان

و(السرية) التي تهدم المجتمع

زواج المرايا

إن كان زواج المسيار قد استوطن مساحات الجدل الاجتماعي والقانوني

لكونه عقداً يقتاتُ على تنازل المرأة عن حقوقها الجوهرية في السكن والنفقة 

فإنه في حقيقته لم يكن إلا فاتحة لعهدٍ جديد من العلاقات الهشة

عهدٌ يكتفي من 'الميثاق الغليظ' بظلاله الباهتة، ويستعير من الشريعة صياغتها الظاهرة فقط

بينما يسقط من حساباته السكن والمودة كقيمٍ عليا وحقوقٍ أصيلة لا يستقيم البيت بدونها

ففي ثنايا مجتمعاتنا المعاصرة، تناسلت أشكالٌ مستحدثة من الزواج تقتفي أثر المسيار في دروب التنازل والسرية

لكنها تتدثر برداء الظروف الوقتية والحاجات العابرة

محولةً الرباط المقدس من مشروع حياةٍ مستدام إلى ترتيباتٍ مؤقتة تمليها الضرورة

وتفتقر إلى روح الاستقرار

أقنعةٌ لغاياتٍ شتى

لقد تفرعت عن شجرة الاستثناءات غصونٌ شائكة؛ فبرز زواج المسفار

 الذي يشدّ رحاله برحيل المغترب عن بلاد البعثة، ليغدو مجرد تحصينٍ مؤقتٍ مسقوفٍ بزمن الدراسة

تلاحقه نية الطلاق الخفية كغصةٍ تؤرق طهر الميثاق وتضعه في مهب الجدل

وعلى أرصفة الفصول، نبت زواج المصياف كزهرةٍ موسمية تزدهر مع وهج الإجازة وتذبل بانطفائها

يلفه ضباب السرية التي تحجب عن المرأة اعتراف المجتمع، وتترك حقوقها تذروها رياح الترحال

أما زواج الوناسة فهو المرفأ الذي ارتضاه الطرفان ليكون استراحة محارب لا دار بناء

حيث تخلع فيه الزوجة حقها الفطري في المعاشرة

لترتدي ثوب الرفيق والممرض لمسنٍّ يطارد طيف الأنس لا رغبة الإنجاب

وفي زوايا المدن الصاخبة، يتوارى زواج النهاريات والليليات

حيث يُرهن الميثاق الغليظ بساعاتٍ يمليها ضوء الشمس أو عتمة الليل

في لقاءاتٍ مبتورة تفتقد لسكينة المبيت الدائم، وتعجز عن جمع شتات الأسرة تحت سقف الاستقرار

حقوقٌ في مهب الريح

إن هذه الأنماط المستحدثة، وإن تدثرت بعباءة 'الحلول الظرفية

إلا أنها تظل زوايا معتمة في بنيان المجتمع، وثقوباً يتسرب منها جوهر الاستقرار

فبين مسفارٍ يفتقر إلى الجذور، ومصيافٍ يضيع الحقوق في متاهات السرية

ووناسةٍ يحيل الزوجة من شريكة حياة إلى مقدمة رعاية

تبرز الحقيقة المرة التي تتوارى خلف الأبواب المغلقة: أن الضحية الكبرى هم الأبناء

فخلف بريق هذه المسميات، تتوه الأنساب في دروب الإنكار، وتتفكك الروابط الأسرية العميقة قبل أن تشتد

ليتحول الرباط الذي وصفه الخالق بـ الميثاق الغليظ إلى مجرد عقد خدمة

أو تصريح مرور لغاياتٍ محدودة الأجل إنها زيجاتٌ تكتفي من الشرع برسمه وظاهره

لكنها تترك خلفها روح الزواج الذي شُرع ليكون وطناً مستقراً وملاذاً آمناً

لا مجرد محطة انتظار عابرة في قطار العمر

ميزان العدالة وتبعات الغياب

لا تقف خطورة هذه الزيجات عند حدود المسميات، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الفردي والمجتمعي

فمن المنظور القانوني، لا يعتد القضاء بالألقاب (مسياراً كانت أم وناسة)

بل يرتكز على أركان العقد وشروطه؛ فما دامت الأركان مستوفاة والتوثيق رسمياً

يظل الزواج قائماً، وتظل حقوق المرأة وإن تنازلت عنها مؤقتاً قابلة للاسترداد أمام القضاء

إذ إن الحق في النفقة والسكن يتجدد بتجدد الأيام ولا يسقط بالتقادم

بيد أن العقدة الكبرى تكمن في الزيجات (السرية) أو غير الموثقة

حيث تضيع الحقوق في دهاليز إثبات النسب، ويواجه الأبناء مستقبلاً مجهولاً بلا أوراق ثبوتية

وتُحرم الزوجة من حق الميراث لغياب الحجة الرسمية

أما اجتماعياً، فإن هذه "الحلول المؤقتة" تفرز ندوباً مستدامة

فهي تزعزع مفهوم السكن الروحي وتحيله إلى لقاءات عابرة

وتضع الزوجة تحت وطأة الوصمة الاجتماعية والسرية، مما يجعلها عرضة للاستغلال المادي أو المعنوي

إن الضريبة الباهظة لهذه الاختيارات لا يدفعها الزوجان فحسب

بل يتجرع مرارتها الأبناء الذين يجدون أنفسهم في بيئة هشة، ضحايا لنكران الأب أو تشتت الانتماء

ختامًا
قد تبدو هذه الزيجات في ظاهرها مخرجًا اضطراريًا تفرضه بعض الظروف الاجتماعية

كالعنوسة أو الحاجة إلى الرفقة

غير أن ما يُتصوَّر حلًا لمواجهة تحديات الحياة أو بحثًا عن السكينة

لا يكون في حقيقته إلا مدخلًا لإشكالات أعمق وأكثر تعقيدًا

فالواقع يثبت أن أثمانها القانونية والاجتماعية باهظة

وتلقي بظلالها القاسية في المقام الأول على الحلقة الأضعف؛ المرأة والأطفال

الذين يدفعون الثمن الأكبر على حساب استقرارهم وأمان مستقبلهم

ويبقى الزواج التقليدي هو الملاذ الذي يحمي الكرامة

وما دونه ليس إلا مرايا خادعة قد تلمع في البداية، لكنها تنكسر عند أول اختبار للحقوق

orent

أبو عبد العزيز