الخميس، 13 أغسطس 2026

لماذا يستدعي الشعراء رجال الدين في حضرة الحسناء؟

 


 لماذا يستدعي الشعراء رجال الدين في حضرة الحسناء؟

تمهيد

لطالما كان جمال المرأة المُلهم الأوّل والشرارة اللاهبة لقريحة الشعراء على مرَّ العصور

حيث تسيّدت (المبالغة) منصة البيان كأداة بلاغية جامحة لإبراز ذلك الحسن الطاغي

ولعلّ من أعجب أفانين هذه المبالغة وأكثرها إثارة للدهشة هو إقحام الشعراء لرجال الدين

والعُبّاد والزهّاد في محراب قصائد الغزل استقصاءً في بيان أن هذا السحر والجمال عصيٌّ على

المقاومة، حتى ممن نذروا حياتهم لعمارة المساجد والصوامع بالتبتّل والاعتكاف إذ أن الراهب

في صومعته يمثل قمة الانقطاع عن الدنيا لذا كان الهدف الأسهل لسهام الشعراء لإثبات قوة الجمال

قراءة في توظيف (الهيبة) في حضرة الجمال

لم يكن استدعاء الشعراء منذ عصر امرؤ القيس والنابغة الذبياني وصولاً إلى العصر الحديث

لشخصيات دينية: كـ الراهب، والزاهد، والشيخ، والإمام في قصائد الغزل أمراً عفوياً أو مجرد

زينة لفظية، بل هو تكتيك فني ذكي وأداة تعبيرية بالغة الأثر تهدف إلى قياس (قوة الزلزال)

الذي يسببه جمال المرأة في النفوس البشرية

فالشاعر هنا لا يبحث عن مجرد وصف، بل يبحث عن أقصى درجات المبالغة الفنية المقبولة

ولكي يثبت أن هذا الجمال خارق للعادة ولا يُقاوم فإنه يضعه في مواجهة أصعب اختبار ممكن:

مواجهةُ رجلِ دينٍ نذرَ حياتَه للعبادة، وتجلّت فيه أسمى صورِ الزهدِ بعد أنِ انقطعَ عن الدنيا

وأعرضَ عن ملذّاتها فإذا اهتزت حصون هذا العابد أمام سحر المرأة فكيف بحال الإنسان العادي؟

دواعي استدعاء شخصية الزاهد في الغزل: أبعادها الفنية والنفسية

إن لجوء الشاعر إلى إدخال شخصية المتعبد (سواء كان راهباً أو شيخاً أو زاهداً)

في فلك الغزل ليس مجرد لعبة لفظية عابرة، بل هو تكتيك فني ونفسي مُركّب يخدم النص الأدبي على عدة مستويات:

أ – قياس شدة التأثير

يتخذ الشاعر من الزاهد المتبتل مقياساً ومعياراً (ترمومتر) لإثبات قوة الجمال وعصف الهوى

فالجمال الذي يحرك الإنسان العادي أمر مألوف أما الجمال الذي يُخضع (أشد القلوب حصانة ومقاومة) فهو المعجزة البصرية الحقيقية

إن وضع (الزاهد الصارم) في مواجهة (العاطفة العاصفة) يبرهن على جدارة الجمال بالانتصار المطلق

ب – صناعة المفارقة الصادمة والتوتر الدرامي

يُحدث هذا الاستدعاء تصادماً فنياً ناعماً بين عالمين متناقضين:

  • عالم الروح، الخشوع، السكون، والوقار
  • عالم الجسد، الفتنة، الاضطراب، والوجد

هذا الخروج المفاجئ للمتعبد من حالة الخشوع والمثالية إلى حالة الحيرة والاضطراب يُنشئ

دراما شعرية مشحونة بالتوتر مما يعظّم أثر النص في نفس المتلقي ويخرجه من نمطية الغزل التقليدي

ت- إضفاء البُعد الروحي و(قداسة الجمال)

ينتشل هذا التوظيف النص الأدبي من سطحية الغزل الحسي العابر إلى آفاق التأمل

حيث يبدو الجمال وكأنه (معجزة إلهية) قادرة على إخضاع القلوب الملتهبة

وبذلك يتحول تأمل الحسن إلى حالة شبه روحية ويُصبح الجمال نفسه مظهراً من مظاهر القداسة

شواهد من الشعر القديم والحديث:

أولاً: العصر الجاهلي والعصور الإسلامية (سطوة الحسن وتطور رموزه):

تضرب جذور هذا الأسلوب البياني الجريء عميقًا في وجدان الشعر العربي منذ الجاهلية

حيث كان الشعراء الأوائل سبّاقين إلى تصوير ذلك (الزلزال العاطفي) الذي يرجُّ أركان القلوب

المستعصية، متخذين من صوامع الرهبان والمتبتلين مقياسًا لسطوة الجمال الطاغي ثم ما لبث

هذا المعنى أن امتدّ عبر العصور الإسلامية والمتأخرة حيث اتخذ الشعراء شخصيات دينية تمثل

(حراس الفضيلة) والوقار في المجتمع الإسلامي كالقاضي، والمفتي، والفقيه، والناسك

وأصبح إيقاع هذه الشخصيات في حبائل الجمال في نظر الشعراء دليلاً قاطعاً على سلطة

الحسن الأقوى من سلطة الدين والمنطق ولم يكتَفِ الشعراءُ بتجريد هؤلاء الزهّاد من أثواب

الهيبة والنسك، بل جعلوا سلطان الجمال حاكمًا على عقولهم ووقارهم تصديقًا لقول جرير حين

وصف قهر العيون للرزانة والمهابة:

يَصرَعنَ ذا اللُّبِّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ *** وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا

فإذا كان (ذو اللُّب) وهو صاحب العقل والحكمة يُصرع أمام هذا السحر

فكيف بمن يجمع مع العقل مهابة النسك ووقار التدين؟

لقد تضافرت الصور الشعرية وتعددت مشاربها في توظيف هذا الأسلوب البياني المثير بين قديم

الشعر وحديثه إذ لم يكن هذا المسلك وليد العصور المتقدمة، بل تكرر كثيرًا في عيون الشعر

 العربي لبيان هذه السطوة القهرية للجمال ويأتي في مقدمة هؤلاء الشاعر امرؤ القيس

الشاعر امرؤ القيس (رائد الصورة الشعرية)

وتتجلى هذه الريادة والتفوق الفني بأبهى صورها في معلقة امرؤ القيس

حيث تجاوز التشبيهات التقليدية المستهلكة ككواكب الليل والقمر ليصنع مشهدًا مبتكرًا يجمع بين

السحر الحسي والعمق البصري في قوله:

تُضيءُ الظلامَ بِالعِشاءِ كأنّها *** مَنارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ

لم يستدعِ امرؤ القيس الراهب هنا ليرسم صورة أخلاقية، بل ليستغل الأبعاد الرمزية والبصرية لخلوة العابد 

محولًا وجه المحبوبة إلى مصدر إشعاع يتغلب على السواد في أسلوب سينمائي سبقت به الصورة الشعرية زمانها

إذ تجلى هذا السبق في:

  • تجاوز المألوف وإحداث الصدمة البصرية: حيث لم يكتفِ امرؤ القيس بنسب الضياء للوجه، بل شبّه نضارة
  •  بشرتها وصفاءها بسراج الراهب المشتعل في عمق الليل الدامس وهو تشبيه غير مطروق ينقل الجمال من مجرد وصف شكلي إلى قوة ساطعة تشق وحشة الظلام
  • دقة التوقيت واقتناص اللحظة: تتجلى البراعة في اختيار وقت العِشاء وهو مبدأ الليل وهبوط الظلمة حيث تكون الحاجة إلى النور في أوجها، مما يضاعف من أثر هذا الإشراق ويبرز قدرته على قهر العتمة فور حلولها
  • دلالة التبتل والصفاء: والتعبير بـ المتبتل (المنقطع للعبادة) يمنح المشهد جوًا من السكون والهدوء والسطوع الخالص من كل شائبة. وكما كانت العرب تستدل بأنوار صوامع الرهبان في الأسفار ليلاً، جعل امرؤ القيس ضياء محبوبته هاديًا ومحييً للمكان، متخذًا من أقصى مظهر للضياء الثابت في الصحراء مقياسًا يزن به شدة الإشراق والجمال

وليس استدعاء الشعراء للرموز الدينية كالراهب والشيخ والناسك عند الحديث عن الجمال

 مجرد صدفة لغوية أو مبالغة شكلية، بل هو أسلوب بلاغي ونفسي عميق يعتمد على المقابلة بين متناقضين:

أعلى درجات الوقار الروحي والانقطاع عن الدنيا

وأعلى درجات الفتنة والجمال المادي

وتتحقق أبعاد هذا الاستدعاء في الشعر العربي من خلال ثلاثة أصول رئيسة:

  • قياس العظمة والسطوة: العابد أبعد الناس عن الفتنة وأشدّهم تحصينًا لنفسه، فإذا تزعزع هذا الزهد أو استُنير بضياء الحسناء، كان ذلك إثباتًا مطلقًا لجمالٍ تقهر سطوته الطبيعة البشرية مهما بلغت تقواها
  • إبراز الضياء والنور الداخلي: تشبيه حسن المرأة بالنور الذي يهتدي به العابد في خلوته يضفي على الجمال هالة من التألق الباهر والصفاء الفني
  • صناعة المفارقة الدرامية: التضاد بين جلال الدين وحيرة الجمال يخلق شحنة وجدانية يلتقي فيها عالم الروح بالجمال الحسي في نقطة انبهار واحدة

ومن الشعر الجاهلي أيضاً (شعر الفصحى القديم)

الشاعر النابغة الذبياني

استدعى النابغةُ الذبياني رجالَ الدين والزهاد (كالراهب، والشيخ الأشمط) في حضرة الحسناء

لغرضٍ بلاغيّ وجماليّ يُقاس به أثر الجمال وتُثبت سطوته المطلقة

ومقتفياً نهج امرئ القيس الجريء، اتخذ النابغةُ في معلقته من محراب الرهبنة مقياساً لفتنة محبوبته

حين صوّر وهجَ جمالها يغوي الراهبَ ويخرجه عن وقار صومعته، ليؤكد أن هذا الجمال يذهبُ بعقول أكثرَ الناس نُسُكاً

فيصوّر بدقة بالغة كيف يمكن لهذا الحسن الطاغي أن يفتن الشيخ الناسك، ويستدرجه من عزلة

التبتل إلى ذهول التأمل، فقال:

لَوْ أَنَّهَـا عَرَضَـتْ لِأَشْمَـطَ رَاهِـبٍ *** عَبَـدَ الْإِلَـهَ صَــرُورَةٍ مُتَعَبِّــدِ

لَرَنَا لِبَهْجَتِهَـا وَحُسْـنِ حَدِيثِهَـا *** وَلَخَالَهُ رُشْـداً وَإِنْ لَمْ يُرْشِـدِ

يرى النابغة أن هذا الراهب العجوز الذي أفنى عمره في محرابه

لو لمح محبوبته لقطع صلاته ليرنو إليها مذهولاً ليوحي النابغة للمتلقي بأن هذا الحسن لم يفتن مجرد عابد عابر

بل زلزل وقار السنين وصموت العبادة الممتدة حتى جعل الراهب يرى في الغواية رُشداً وهداية

فالشاعر النابغة الذبياني لم يكتفِ بوصف الجمال وصفاً مجرداً

بل قاسه بـ (رد فعل) أبعد الناس عن الفتنة وهو (العابد)

إذ يمثل رجل الدين المتعبّد الذروة في الزهد والامتناع عن الشهوات والانشغال بالآخرة

فإذا استطاع هذا الحسن أن يفتنه أو يجعله يلتفت

فهذا دليل قاطع على أن الجمال تجاوز الحدود البشرية المألوفة وأصبح قوة قاهرة لا يُقاومها أحد

تعليق على أبيات النابغة الذبياني:

وظّف النابغة الذبياني هنا أقصى درجات التبتل البشري وقدم في هذين البيتين نموذجاً بديعاً لهذا الأسلوب البلاغي:

1.    تراكم صفات الامتناع: لم يكتفِ النابغة بذكر (راهب) فقط، بل زاد عليها صفاتٍ تُحكِم غلق أبواب الفتنة أمامه

      فهو (أشمط) كبر سنّه وشاب شعره فخبت فورة الشباب وعَبَدَ الإلهَ: مستغرق في التعبد 

و(صَرُورة)أي: لم يعرف النساء قط وانقطع تماماً عن الملاذ

2.    لحظة الانكسار أمام الحسن: رغم كل هذا الدرع الإيماني والزهدي بمجرد أن تعترض هذه الحسناء طريقه

        يحدث التغير المفاجئ  لَرَنَا لِبَهْجَتِهَا أي أدام النظر إليها مشدوهاً 

(وَلَخَالَهُ رُشْداً) رأى أن افتتانه بها هو عين العقل والصواب

3.    المبالغة المقبولة (الإغراق البلاغي): البيت الثاني يوضح كيف يُذهب هذا الجمالُ العقلَ

                    فيجعل رجل الدين يرى الفتنة رشاداً، مما يعكس سحر الجمال ورونق الحديث

الذي يتجاوز البصر إلى السمع والإحساس

هذا التوظيف البلاغي جعل البيت من عيون الشعر العربي في باب الغزل والمدح بالجمال

وصار سنّة درج عليها شعراء الجاهلية والإسلام وما بعدهما

(كقول جرير كما أشرنا سابقاً:  يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به....)

.....

1-    أشمط: خالط الشيبُ سوادَ شعره، فانطفأت فيه طيش الشباب لكبر سنه

2-    صرورة: تبتل وانقطع عن النساء، ولم يحج.

3-    عَبَدَ الإلهَ متعوِّذاً متعبِّداً : زاد بها تأكيد استغراقه في الطاعة

العصور الإسلامية والأموية والعباسية

القصيدة الشهيرة المنسوبة لـ (مسكين الدارمي)

وهو صاحب أشهر قصة تسويقية في تاريخ الأدب العربي وظفت الدين بالجمال

(قصة الخمار الأسود)

وقد وضف الشاعر الدين بالجمال حين كسد الخمار الأسود

حيث لجأ إليه تاجر لم يبع خُمُره السوداء، فنظم هذه الأبيات

القصة تخبرنا أن العابد ترك صلاته واعتزل محرابه وراء صاحبة الخمار الأسود

فقال شاعرنا للناسك المتعبد:

ليثبت أثر الجمال على النُسّاك، فبيعت كل الخُمُر:

قُلْ لِلْمَلِيحَةِ فِي الْخِمَارِ الْأَسْوَدِ *** مَاذَا صَنَعْتِ بِزَاهِدٍ مُتَعَبِّدِ؟

قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلَاةِ ثِيَابَهُ *** حَتَّى قَعَدْتِ لَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ

رُدِّي عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ *** لَا تَقْتُلِيهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ

وفي العصر الأندلسي، (أوج الفصاحة والمبالغة الفنية)

الموشحات الأندلسية

ومن أكثر الشواهد شهرةً وسرياناً على ألسنة الناس في هذا الباب

بيتانِ طالما نُسبا خطأً وزوراً إلى أمير شعراء الجاهلية امرؤ القيس

في القصيدة الطنانة التي مطلعها (تعلّق قلبي طفلةً عربيةً (...

بيد أن التحقيق الأدبي والنقدي الصارم يثبت أن هذه الأبيات أبعد ما تكون عن العصر

الجاهلي وإنما هي نتاج متأخر من زمن الموشحات الأندلسية وتحديداً من العصرين

الأندلسي أو المملوكي وهو ما يتجلى في كثرة الجناس والزخارف اللفظية 

والتصنيع البديعي الصارخ في بقية أبياتها

والبيتان المقصودان اللذان يخصان موضوعنا هنا ويصفان سحر عيون المعشوقة بفتنة

تزلزل أركان أشد الناس تنسكاً قولهم:

لَهَا مُقْلَةٌ لَوْ أَنَّهَا نَظَرَتْ بِهَا *** إِلَى رَاهِبٍ قَدْ صَامَ لِلَّهِ وَابْتَهَلْ

لَأَصْبَحَ مَفْتُوناً مُعَنًّى بِحُبِّهَا *** كَأَنْ لَمْ يَصُمْ لِلَّهِ يَوْماً وَلَمْ يُصَلِّ

وقفة نقدية وتحليلية

يُعد هذان البيتان من عيون الغزل اللطيف والمبالغة الشعرية المستملحة

إذ يذهب الشاعر إلى تصوير نظرة واحدة من عيني محبوبته كفيلة

بأن تفتن عابداً متنسكاً وتنسيه عمره الذي أفناه بين الصيام والتبتل كأنه ما سجد لله قط

إضاءة تاريخية على نشأة الموشحات:

ظهر فن الموشحات الأندلسية وتطوّر في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)

تقريباً إبّان عصر الإمارة الأموية في الأندلس ووفقاً للمراجع التاريخية الثبت

يُنسب ابتكار هذا الفن الغنائي إلى الشاعر مُقدَّم بن معافى القَبْري

في عهد الأمير عبد الله بن محمد المرواني

وقد شهد هذا النمط ازدهاراً كبيراً وبلغ ذروة نضوجه وشاعريته لاحقاً في عصور تالية

لاسيما في (عصر الطوائف) (القرن الخامس الهجري)

على أيدي بعض المغنين في هذا الفن كالشاعر عبادة بن ماء السماء

الشعر النبطي والشعبي (الخيال الأصيل)

وفي الشعر النبطي تم توجيه الخطاب إلى المطوع أو الشيخ لبيان قوة أثر المحبوب وشدة فتنته

حيث يُتخذ الرجل الصالح أو ذو الحكمة ركناً صلباً يُقاس عليه مدى الذهول والافتتان

ولم يبتعد الشعراء النبطيون عن هذا الخيال البلاغي

كما يبدو جليّاً في هذه الأبيات التي تصف أثر (سارة)

 

المَطوّع لَوْ يِشُوفْ خْدِيدْ سَارَة *** طَبَّقْ المَصْحَفْ وَعَجَّلْ بِالصَّلاَةِ

وَلَّعَتْنِي بِالهَوَى وَالحُبِّ سَارَة *** دَلَّهَتْنِي عَنْ غَنَادِيرْ البَنَاتِ

لَيْتْ مَنْ يِفْطِرْ عَلَى رِيقِكْ يَا سَارَة *** مِثْلِ العَسَلْ وَاللهْ عَلَى فَكَّةِ الرِّيقِ

رِيقْ سَارَة مِثْلِ سُكَّرْ فِي غَضَارَة *** أَوْ حَلِيبْ أَبْكَارِ عُرْبٍ مُسْمَنَاتِ

عَقْبْ مَا هُوَ شَيْخْ وَرَاعِي إِمَارَة *** صَارْ فَلاَّحٍ أُمُورُهْ هَيِّنَاتِ

تأملات حول سحر التضاد في هذه الأبيات

1-    البلاغة بالمفارقة (المطوع والشيخ): تتجلى عبقرية الشاعر الشعبي في استحضار الشخصيات الأشد ثباتاً وزهداً في المجتمع كـ (المطوّع) أو (الشيخ راعي الإمارة) ليجعل من جمال (سارة) زلزالاً يربك هذا الثبات إن تعجيل الصلاة أو تطبيق المصحف هنا ليس مجرد مبالغة، بل هو تجسيد لحظي لذهول العقل وانخفاض الصوت الخارجي أمام طغيان الحضور الجمالي

2-    عذرية التشبيه وبيئته: لم يستعر الشاعر صوراً غريبة عن بيئته البدوية؛ بل غرف من معينها البكر. فتحوّل الريق إلى عسلٍ على فكة الريق، وحليبِ أبكرا عربٍ مسمنات هي صور حسية ينبض فيها النقاء والجودة، وتتذوق فيها روح الصحراء طعم الارتواء بعد الصدى

3-    انقلاب الأحوال (من السلطة إلى البساطة): في البيت الأخير، ينحدر المنحنى الدرامي بأناقة مدهشة: من شيخٍ راعي إمارة إلى فلاحٍ أموره هينات هذا التحول لا يعكس ضعفا، بل يعكس طواعية العاشق فالجمال يستل سيف السلطة من يد صاحبه، ليعيده إنساناً بسيطاً يكتفي بأقل القليل في حضرة من يحب

سُلطان المَجاز

في عالم الأدب والشعر، لا تُقاس قيمة النص بمدى مطابقته الحرفية للواقع العلمي أو الشرعي

بل تقاس بمدى قدرته على هز وجدان المتلقي وإثارة دهشته

 ومن هذا المنطلق، فإن النص الأدبي لا يقف عند حدود التقرير المباشر، بل يتجاوزها إلى:

البحث عن أقصى درجات المقارنة:

عندما يريد الشاعر أن يثبت أن امرأة ما بلغت ذروة الجمال..

فإن ذهن الأديب لا يتجه إلى مقارنتها بإنسان عادي قد تغلبه شهوته أو تضعف نفسه بسهولة

بل يتجه الخيال فوراً إلى (النقيض الأقصى) وهو العَابِدُ التَّقِيُّ الَّذي كَرَّسَ عُمرَهُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ

مُتَحَصِّناً في مِحرَابِهِ، مُتَسَامِياً عَن مَغْرِيَاتِ الدُّنيَا

تجاوز الحدود الإنسانية:

دخول المتدين هنا هو حيلة بلاغية تسمى (المبالغة الفائقة)

فالشاعر يريد أن يقول إن هذا الجمال يملك (قوة قاهرة) تتجاوز الطبيعة البشرية

فإذا كانت الحصون الروحية المنيعة التي بناها هذا العابد عبر سنوات من الصيام والتبتل

والابتهال قد انهارت بنظرة واحدة

فإن ذلك لا يعيب العابد بقدر ما يعكس القوة الأسطورية لهذا الحسن

أعذب الشعر أكذبه:

هذه القاعدة النقدية القديمة تلخص (خيال الأدب)

فالشاعر هنا لا يكتب تقريراً قضائياً ولا يفتي فتوى شرعية

بل يصنع لوحة سريالية يتداخل فيها المحراب بالشفاه والعيون

ليخلق صدمة فنية تخلد الأبيات في الذاكرة

واقع الإيمان والسمو الروحي

وعند هذا المنعطف النظري، نفترق في ساحة الوعي وصحوة الواقع

فلا ينبغي لنا أن نأخذ هذا التخييل الأدبي المجنّح على أنه حتمية إنسانية

بل ندرك بيقينٍ راسخ أن العبادة الحقيقية والصلة الوثيقة بالله

تصنع نفوساً أبية وقلوباً مستعصية على الغواية

إن القلوب التي تعلقت بالجمال الأزلي الباقي، لا تزعزع ثباتها نظرة عابرة

ولا تعبث بحصونها العيون الفاتنة

لأنها أبصرت من جلال الخالق ما صغّر في أعينها فتنة المخلوق

إنها باختصار دعوة للموازنة الرشيدة

وأن نتذوق الشعر بآذان أدبية تستعذب الخيال ومجازه

ولكن نزن الحقائق بعقول وقلوب مؤمنة تعتصم بالواقع وجلاله

على الضفة الأخرى، يقف (واقع الإيمان) بقواعده الراسخة وصورته الحقيقية

التي تُصَحِّح المفاهيم وتزن الأمور بميزان الحق والمنطق

العبادة حِصن وليست نقطة ضعف

في واقع الإيمان لا يكون القرب من الله مجرد رداء خارجي يخلعه المرء عند أول هبة ريح

العبادة الحقيقية والزهد ليسا كبتاً مؤقتاً ينتظر الانفجار

بل هما (إعادة صياغة للنفس البشرية) المؤمن الصادق يرى الفتنة،

لكنه يملك بداخله جهاز مناعة روحي مستمد من امتثاله لقوله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

وهو ما يجعله يرى العاقبة لا اللحظة العابرة

حلاوة الإيمان تفوق لذة النظر:

 يغفل خيال الشعراء عن حقيقة إيمانية كبرى

وهي أن العابد عندما يغض بصره امتثالاً للأمر الإلهي لا يشعر بالحرمان أو الكبت

بل يعوضه الله بحلاوة يجدها في قلبه تفوق بكثير متعة النظر إلى الوجه الحسن

فالإيمان واقع حي، يُكسب صاحبه قوة تمكنه من الانتصار على غريزته لا الهزيمة أمامها

التشخيص الدقيق (مرض القلب)

واقع الإيمان يضع النقاط على الحروف؛ فمن يهتز ويفتتن ويترك عبادته من أجل نظرة

يثبت أن دينه كان قشرة خارجية، وأن باطنه خالٍ من اليقين وبالتالي

فإن الفتنة لم تصرعه لقوتها الطاغية، بل صرعته لأن قلبه كان هشاً وفيه مرض في الأصل

فالإنسان التقي ثابت والمنفلت مفتون في كل حال

orent

أبوعبد العزيز


الأربعاء، 27 مايو 2026

غُربة الروح

 


غُربة الروح

اللوحة الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة والاغتراب

يَمُرُّ عَلَيَّ العِيدُ يُذْكِي صَبَابَتِي *** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي

كَأَنَّ دُهُورِي أَعْيَادُ حُزْنٍ إِذَا انْطَوَى *** عَلَيَّ دُجَى اللَّيْلِ الطَّوِيلِ إِلَى الغَدِ

وَنَوْحُ حَمَامِ الأَيْكِ يُوقِظُ لَوْعَتِي ** فَمَا هَدَلَتْ إِلَّا بَوَجْدٍ فِي كَبْدِي

إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى لِلسُّتُورِ سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي الفَقْدِ

أُسَائِلُ عَنِّي البَدْرَ حِينَ تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ

***

اللوحة الثانية: حنين الطفولة وكؤوس الهم

كُلَمَا تَذَكَّرْتُ الخَوَالِيَ أَدْبَرَتْ ** قُلْتُ: لَيْتَ لَيَالِي الطُّفْلِ تَرْجِعُ بِالوُدِّ

كَبِرْنَا وَخَاضَ الهَمُّ فِينَا غِمَارَهُ ** فَلَيْتَ بَرَاءاتِي تَدُومُ عَلَى العَهْدِ

سَقَتْنِي كُؤُوسُ الدَّهْرِ جُرْعَةَ عَلْقَمٍ ** وَجَارَتْ لَيَالِي الشَّيْبِ لَمْ تَرْعَ لِي عَهْدِي

شَرِبْتُ بِكَأْسِ الهَمِّ نِصْفَ عُقُودِهِ ** فَلَمْ أَلْقَ إِلَّا الوَجْدَ حِينَ غَدَا نِدِّي

عَلَى الدَّهْرِ حَسْبِي حِينَ جَارَ بِصَرْفِهِ ** وَأَوْدَعَ آلامَ الزَّمَانِ لَدَى زَنْدِي
***

اللوحة الثالثة: نبل النفس ومناجاة الخالق

إِذَا مَا رَأَيْتُ الخِلَّ يَمْشِي بِخِلِّهِ ** هَمَى الدَّمْعُ يَدْعُو: "بَارِكَ اللهُ فِي السَّعْدِ

دَعَوْتُ لَهُمْ بِالخَيْرِ رَغْمَ مَوَاجِعِي ** وَلَوْ كَانَ جَمْرُ الحُزْنِ يَحْرِقُ فِي كَبْدِي

فَمَا كَانَ قَلْبِي بِالحُسُودِ وَإِنَّمَا ** رَمَانِي زَمَانِي بِالشَّتَاتِ وَبِالفَقْدِ

أَرَى كُلَّ إِلْفَيْنِ (1) اسْتَقَامَ وِئَامُهُمْ ** وَأَبْقَى أَنَا فِي الوِحْدَةِ المُرَّةِ المَهْدِي

فَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سَكِينَةً ** تُدَاوِي جِرَاحاً نَزْفُهَا زَادَ عَنْ حَدِّي

***

اللوحة الرابعة: تساؤلات الغرام 

أَهَذَا الهَوَى مِثْلُ الفِرَاقِ بِمُرِّهِ ** فَإِنِّيَ لَمْ أَعْرِفْ سِوَى لَوْعَةِ الفَقْدِ

 فَقُلْ لِي أَيَا مَنْ ذَاقَ بِالعِشْقِ وَصْلَهُ ** أَيُورِقُ غُصْنُ الحُبِّ فِي زَمَنِ الجَحْدِ

أَمِ الحُبُّ بَحْرٌ خَادِعٌ بِمِيَاهِهِ ** فَيُرْمَى بِهِ الغِرُّ الشَّقِيُّ عَلَى البُعْدِ

 أَرَى النَّاسَ عُشَّاقاً وَأَعْجَبُ مِنْهُمُ ** أَيَلْتَذُّ مَسْلُوبُ الفُؤَادِ بِمَا يُرْدِي

 فَإِنْ كَانَ نَاراً فَالجَوَى قَدْ أَذَابَنِي ** وَإِنْ كَانَ شَهْداً فَاسْقِنِي ذَلِكَ الشَّهْدي

***

اللوحة الخامسة: كبرياء اليقين

فَمَا هَزَّنِي رِيحٌ وَلَا خَارَ مَنْكِبِي ** وَلَا انْحَنَى عَزْمِي وَلَا انْهَدَّ لِي جَلَدِي

إِذَا جَرَفَتْ غَيْرِي السُّيُولُ فَإِنَّنِي ** ثَبَاتٌ كَطَوْدٍ شَامِخٍ دُونَهُ حَدِّي

شَدِيدٌ بَأْسِي فِي الشَّدَائِدِ لَمْ يَزَلْ ** وَإِنْ زَادَ مَوْجُ الدَّهْرِ لَمْ يُثْنِ مِنْ كَدِّي

أَسِيرُ بِإِيمَانٍ كَأَنَّ يَقِينِيَ ** لِسَانُ رَجَاءٍ صَادِقٍ صَانَ لِي عَهْدِي

فَلَا اليَأْسُ يَغْزُونِي وَرَبِّي مُعِينُنِي ** وَخَابَ الَّذِي يَرْجُو العَطِيَّةَ مِنْ عَبْدِ

***

اللوحة السادسة: الركون إلى لطف الله

ضَلَلْتُ بِأَوْهَامِي وَرَجَوْتُ خَالِقِي ** بِأَنْ يَلْطُفَ المَوْلَى وَيَكْشِفَ مَا عِنْدِي

 فَحَالِيَ صَعْبٌ وَالمَشِيبُ غَزَا الصِّبَا ** وَلَوْلَا رَجَاءُ اللهِ لَانْهَارَ لِي سَدِّي

إِلَيْكَ رَفَعْتُ الكَفَّ أَبْغِي سَكِينَةً ** فَأَنْتَ غِيَاثِي حِينَ يَعْصِفُ بِي كَرْبِي

 فَيَا لَطِيفاً بِالعِبَادِ إِذَا قَسَا ** زَمَانِي عَلَيَّ وَاسْتُبِيحَ بِهِ جَهْدِي

 أَنِلْنِي مِنَ الأَلْطَافِ فَيْضاً لَعَلَّنِي ** أَرَى لِشِتَاتِ الرُّوحِ بَعْدَ النَّوَى بَعْدِي

***

اللوحة السابعة: ملاذُ الانكسار

 وَعِيدُ الغَرِيبِ الدَّمْعُ يَجْرِي بِجَوْفِهِ ** وَتَظْهَرُ مِنْ صَدْرٍ أَنِينًا بِلَا رَدِّ

أَيَا نَفْسُ صَبْراً، ذَا قَضَاءُ إِلَهِنَا ** فَسِيرِي بِدَرْبٍ، فَالصَّبَاحُ عَلَى وَعْدِ

 سَيَجْلُو ظَلَامَ الهَمِّ نُورٌ مُؤَمَّلٌ ** وَيَنْبُتُ زَهْرُ الوَصْلِ فِي جَدَبِ السُّهْدِ

 فَمَا خَابَ مَنْ كَانَ الرَّجَاءُ طَرِيقَهُ ** إِلَى مَنْ لَهُ الإِجْلَالُ فِي المَنْشَإِ الفَرْدِي

خَتَمْتُ قَصِيدِي وَالجِرَاحُ كَلِيمَةٌ ** فَيَا رَبِّ سَكِّنْ لَوْعَتِي وَاجْبُرَ فَقْدِي

***

1-    الإِلْف (بكسر الهمزة): هو الصديق المألوف، أو الحبيب، أو الأنيس. وتقول العرب (فلانٌ إِلْفي) أي صديقي الذي آلفه

غُربةُ الرُّوح

ليست غربةُ الروحِ حكايةً تُروى، ولا شعورًا عابرًا يُوصف

بل هي سرٌّ دفينٌ لا يُدركه إلا من سكن أعماقَه وذاق مرارتَه

هي وجعٌ صامتٌ يتكئ في زوايا الوجدان، لا يُفصح عن نفسه إلا لمن أضناه الألم، وأثقلته التجارب

فصار يسمع في داخله صدى الوحدة وإن كان بين الجموع

وغالبًا ما تزور هذه الغربةُ الإنسانَ في خريف عمره، حين تتباعدُ الأزمنة بينه وبين من حوله

فيغدو غريبًا في بيته، وبين أهله، وفي مجتمعه

ليس لأنهم تغيّروا فحسب، بل لأن الزمن نفسه قد مضى به إلى ضفةٍ أخرى

جيلٌ غير جيله، وفكرٌ لا يشبه فكره، وعاداتٌ تبدّلت حتى غدت مألوفاته غريبةً عليه

أما الأصدقاء الذين كانوا يشاركونه ضحكات الأمس، فقد تفرّقوا في دروب الحياة

منهم من واراه التراب، ومنهم من أقعده المرض، ومنهم من آثر العزلة

فبقي وحده، لا باختياره، بل بقَدَرٍ كُتب عليه

وكيف له أن يعود شابًا، وقد عبر العمرُ به ما عبر؟

قد يُقال له: جالسِ الناس، واختلط بهم. فيحاول، ويجلس، فيُحاط باحترامٍ عابر

لكنه سرعان ما يشعر بأنه زائدٌ عن السياق، دخيلٌ على حديثٍ لا يُشبهه. أفكارهم ليست أفكاره

واهتماماتهم ليست اهتماماته، وحديثهم يدور في فلكٍ لا مدار له فيه

فينسحب بصمت، كغريبٍ أدرك أن حضوره عبءٌ على غيره

وهنا يتجلّى الفارق؛ فمَن وجد لنفسه شغفًا أو رسالةً، بقي حيًّا في الناس وإن تقدّم به العمر: 

يدرّب، أو يكتب، أو يُنير العقول بخبرته، فيخالط المجتمع من نافذةٍ أخرى

أمّا من خلا من مهارةٍ أو شغف، فإن غربة الروح قد تفتك به

حتى يُصبح شاهدًا على الحياة لا شريكًا فيها، حاضرًا كرقمٍ لا يُلتفت إليه، كأثاثٍ صامتٍ على هامش الأيام

ومع ذلك، يبقى في العمر فسحةٌ لمن أراد أن يلوّن وحدته:

بسفرٍ يُجدّد الروح، أو رياضة مشيٍ يُعيد صلته بالأرض، أو تأمّلٍ يُهدهد القلب

فليست الغربةُ نهايةً، بل حالةٌ يمكن التعايش معها، بل وربما الترفّق بها

وهذه سنّة الحياة؛ أطوارٌ تتعاقب: طفولةٌ، فمراهقةٌ، فرشدٌ، فكهولةٌ، فشيخوخةٌ، حتى يبلغ الإنسان أرذل العمر

كما قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

فلا تُثقلوا على أبنائكم بالعتب، ولا تُحمّلوهم ما لا يطيقون

فلهم أعمارهم وأعباؤهم كما كان لكم من قبل

وتذكّروا أن لكل مرحلةٍ جمالها، وإن خفي

وأمّا أنا، فقد عبرتُ هذه المراحل بعين الرضا

ففي العشرين شيّدتُ أول بيتٍ لي، وفي الستين بعته، وبدأتُ رحلةً جديدة مع بناءٍ آخر، بين المرض وتعب العمل

دون أن أعاتب أحدًا من الأبناء. لكلٍّ شأنه، ولكلٍّ حياته

حتى اكتمل البيت، وعادت العافية بعد المرض، وها أنا أعيش في ذلك البيت وحيدًا… لكنّي لست حزينًا

فالوحدةُ ليست دائمًا فراغًا، بل قد تكون امتلاءً من نوعٍ آخر

اللوحة الأولى: رحلة في ذاكرة الوحدة والاغتراب

يمُرُّ عَلَيَّ العِيدُ يُذْكِي صَبَابَتِي ** وَأَرْقُبُ نَجْمَ اللَّيْلِ فِي سَهَرِي وَحْدِي

وَدَهْرِيَ أَعْيَادٌ إِذَا اللَّيْلُ لَفَّنِي ** أُقَلِّبُ أَشْجَانِي إِلَى صَبَحِ الغَدِ

وَنَوْحُ حَمَامِ الأَيْكِ يُوقِظُ لَوْعَتِي ** فَكُلَّمَا غَنَّى تَأَجَّجَ فِي كَبْدِي

إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى لِلسُّتُورِ سَدُولَهُ ** بَكَى القَلْبُ مَحْزُوناً وَتَفَجَّعَ فِي الفَقْدِ

أُسَائِلُ عَنِّي البَدْرَ حِينَ تَمَامِهِ ** أَمَا لِليَالِي الحُزْنِ يَا بَدْرُ مِنْ حَدِّ

تتكشّف في هذه الأبيات لوحةٌ شعريّةٌ موغلةٌ في الشجن،

تتداخل فيها ملامح اغترابي النفسي مع صراعٍ مريرٍ مع الزمن.

ففي كلِّ عيدٍ يمرّ، لا يحفّني الفرحُ الذي يترقّبه الملأ

بل ينهضُ في قلبي شوقٌ عتيق وحنينٌ لا تذروه رياح النسيان

حيث غدت أيّامي لا تفقهُ لغةَ الأعياد، بل باتَت مواسمَ للأسى

فالعيد عندي لا يطرق الباب بوصفه بشارةً أو فسحةَ فرح

بل يحضر كمعولٍ قاسٍ يهدم أسوار الصمت

ليوقظ تحت الركام ذكرياتٍ ظننتها وُوريت إلى الأبد

هنا تنبثق المفارقة الشعوريّة الحادّة؛ إذ ينقلب العيد من مظنّةٍ للبهجة إلى وقودٍ يُذكي لظى الشوق والصبابة

فأغدو معزولًا عن ضجيج المهنّئين، متروكًا لسهدي الطويل

أرقب حركة النجوم كأن بيني وبين ليل الساهرين لغةً خفيّة لا يفكّ شفرتها سوى الوحدة.. جليسي الدائم

وكلما أرخى الليلُ سدوله، وأطبق بسكونه الرّصين على أنفاس الوجود

يتحول هذا الظلام إلى مرآةٍ للدهر تُعمّم مأساتي وتكرّسها

فلا يعود الحزن عارضًا طارئًا، بل يغدو (أعيادًا) متصلة

ومع انسدال الدجى، يثقل وطء الزمن على الروح

فيغدو الليل بساطًا أسود يطوي تحته آلامًا لا تنقضي بطلوع الفجر

بل تزدادُ حصاراً ككائنٍ حيٍّ يفرض سطوته على المكان، ويمتدُّ ليلِي كأن لا فجرَ يتلوه

حاملاً بين طيّاته أطيافاً من الذكرى، حتى يغدو الغدُ بعيداً كأمنيةٍ عصيّةٍ لا تُنال

وفي تناغمٍ موجع مع الطبيعة، يطلّ حمام الأيك رمزاً اكتسى صبغةً ذاتيّة

فهديلهُ لا يُسمع غناءً، بل نوحًا يتقاطع مع أنين القلب

ثمّة وحدة حال بيني وبين هذا الكائن الساجع؛ فكل نغمةٍ تنفلت من حنجرته، يرتدّ صداها جرحًا غائرًا في الكبد

وكأنَّ هَديله ليس إلا ترجمةً صادقة لما يعتصر الفؤاد من ألمٍ واشتياق

في هذا الطوق، يتحوّل القلب من مضغةٍ نابضة إلى عينٍ دامية

لا تجيد سوى البكاء في محراب حزنها، تسكب الدمع صمتاً وتتفجّع على ما مضى

وكأنَّ الفقد قد امتزج بطين الروح فلا يفارقها

وتكتمل الصورة في لحظة صَفَاءٍ موجعة، حين تكون المناجاة بالوقوف أمام البدر في تمامه

لا غزلًا في ضيائه، بل بحثاً عن مرسى في بحر ليالٍ مثقلة بالوجد

إنه تساؤلٌ وجوديٌّ يشفّ عن يأسٍ رقيق:

أما لليالي الحزن، يا بدرُ، من حدّ؟

إنه نداء الغريق، واستفهامٌ يرجو انقشاع هذه الغمّة

علّ الفجر يأتي يومًا أقلَّ قسوةً من ليلٍ طال أمده واستبدّت به ظلال الذكريات

اللوحة الثانية: حنين الطفولة وكؤوس الهم

كُلَمَا تَذَكَّرْتُ الخَوَالِيَ أَدْبَرَتْ ** قُلْتُ: لَيْتَ لَيَالِي الطُّفْلِ تَرْجِعُ بِالوُدِّ

كَبِرْنَا وَخَاضَ الهَمُّ فِينَا غِمَارَهُ ** فَلَيْتَ بَرَاءاتِي تَدُومُ عَلَى العَهْدِ

سَقَتْنِي كُؤُوسُ الدَّهْرِ جُرْعَةَ عَلْقَمٍ ** وَجَارَتْ لَيَالِي الشَّيْبِ لَمْ تَرْعَ لِي عَهْدِي

شَرِبْتُ بِكَأْسِ الهَمِّ نِصْفَ عُقُودِهِ ** فَلَمْ أَلْقَ إِلَّا الوَجْدَ حِينَ غَدَا نِدِّي

عَلَى الدَّهْرِ حَسْبِي حِينَ جَارَ بِصَرْفِهِ ** وَأَوْدَعَ آلامَ الزَّمَانِ لَدَى زَنْدِي

كلما رجعتُ بذاكرتي إلى الوراء، حيث تمتدّ ظلالُ الأيام الخوالي وتخفتُ أصداءُها في أعماق الروح

وجدتني أقف على أطلال زمنٍ أدبر بجماله، مستحضِرًا ملامحه كما تُستحضر الأحلام حين تلوذ بالنسيان

وتتسلل تلك الأيام من بين أصابع العمر كرمالٍ ذهبية، كلما حاولتُ استردادها أدبرت مستهزئةً بحنيني

لينبعث من داخلي نداءٌ خافت ومُلحّ: ليت ليالي الطفولة تعود

لا زمنًا فحسب، بل ودًّا صافياً، وبراءةً لم تعرف خدش الحياة ولا قسوة الأيام

هناك خلف غبار السنين، يقف ذاك الطفلُ الذي كنتُه، بريئاً من لوثة التجربة

فأهتف به من وراء جدار الزمن:

(يا ليت الودّ يُشترى بالدمع لابتعتُ ليلةً من لياليك)

ففي تلك البقعة النقيّة من الذاكرة، كان العمر خفيفًا كنسمةٍ عابرة، لا يثقل القلبَ همّ، ولا تُرهق الروحَ تجربة

كنا نسمع عن وجع الأيام كما تُروى الحكايات، ونجهل أن في الغد ما يكفي ليُبدّل صفاءنا ثِقلاً، وطمأنينتنا قلقًا

ثم كبرنا… ولم يكن الكِبَرُ امتدادًا هادئًا للسنين، بل كان اقتحاماً

غاصت فيه النفوس في لجج الهموم حتى استوطنت المسام، وغدت ملامحنا ميدانًا تتلاطم فيه أثقال الحياة

وتلاشت براءات الأمس كما يتلاشى الندى عند أول شمس

ومع هذا التحوّل، تبدّل وجه الزمان فبعد أن كان يفيض بعطفٍ خفيّ

صار يسقينا من كؤوسه (علقماً) صرفاً حتى ألفت أفواهنا طعمه

وجارت ليالي الشيب، فلم ترعَ عهدًا، وكأن الزمان الذي كان بالأمس مربياً حانياً

صار اليوم خصماً جائراً لا يرقّ لحال ولا يحفظ للودّ ذمة

وعلى امتداد العمر، وجدتني أرتشف من كأس الهم نصف عقودي، فلا أخرج منها إلا بوجدٍ يلازمني

صار توأماً لا يفارقني، وندّاً يصارعني في حلبة الأنفاس

وما بين زحام الحياة وصخبها، لم أحصد إلا آلامًا أودعها الزمان في صدري، كجمرٍ خفيٍّ يستقرّ في الأعماق

ووشماً على زندي يظل شاهداً على رحلةٍ بدأت بنور البراءة واستقرت في لجة الكدّ

وهكذا، أقف اليوم بين حنينٍ يشدّني إلى ماضٍ وادع، وواقعٍ أثقل كاهلي بما لا يُحتمل

أحسب على الأيام صمتي وصبري، وأتوكأ على ما تبقّى في القلب من قوة

فهذه سيرة روحٍ كبرت قبل أوانها، وما تزال رغم كل ندوب الدهر ترنو إلى الأمس بعينٍ دامعة

وتُمسك بخيطٍ رفيع من أمل، لعلّ في الفجر القادم ما يداوي بعض ما خلّفه الزمان من جراح

تنويه يليق بالبيان:

لستُ ممن يشكو حاله للورى، وما بلغتُ من العمر عِتِيّاً لأتخذ من مدونتي ساحةً للتشكي

وما جرت العادةُ أن أشكوَ لغير الله حالي، وما نضجتْ بي السنون لأجعل من حروفي عتباً أو شكوى إليكم

 إنما هي كلماتٌ أصف بها عابر شعور، ونصوصٌ أعني حرفها وأقصد مغزاها دون إسقاطٍ على أحدٍ

وأعني بدقةٍ ما يرمي إليه قلمي إن هو إلا بوحُ الزمانِ ونفثةُ صدر

 فما سُكب هنا من شجن هو بوحُ قلمٍ وليس ملامة لأحد

اللوحة الثالثة: نبل النفس في محراب الوجد   

إِذَا مَا رَأَيْتُ الخِلَّ يَمْشِي بِخِلِّهِ ** هَمَى الدَّمْعُ يَدْعُو: بَارِكَ اللهُ فِي السَّعْدِ

دَعَوْتُ لَهُمْ بِالخَيْرِ رَغْمَ مَوَاجِعِي ** وَلَوْ كَانَ جَمْرُ الحُزْنِ يَحْرِقُ فِي كَبْدِي

فَمَا كَانَ قَلْبِي بِالحُسُودِ وَإِنَّمَا ** رَمَانِي زَمَانِي بِالشَّتَاتِ وَبِالفَقْدِ

أَرَى كُلَّ إِلْفَيْنِ اسْتَقَرَّ وِئَامُهُمْ ** وَأَبْقَى أَنَا فِي الوِحْدَةِ المُرَّةِ المَهْدِي

فَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سَكِينَةً ** تُدَاوِي جِرَاحاً نَزْفُهَا زَادَ عَنْ حَدِّي

إنَّ أسمى درجات الرقي الروحي، وأنقى تجليات النبل الإنساني

تكمن في تلك اللحظة الفارقة التي يجعل فيها المرء من ألمه جسراً يعبر عليه الآخرون نحو الضياء

فيتمنى لغيره ما عجزت يداه عن نيله، ويبارك للناسِ غيثاً لم يمطره سماؤه

ومن نافذة وجدي، أرقبُ كل خليلينِ رسوا على مرفأ الوئام

وأبقى أنا في عزلةٍ مُرّة المذاق، أؤنسها بصمتي، وأهدهدُ في مهدها ما تبقى من أوجاعي

فحين تقع عيناي على أُلّافٍ جمعتهم السكينة، وتشابكت أيديهم مودةً ورحمة

تفيض من مآقيَّ عبراتٌ طاهرة من درن الضغينة، تترجمها شفتايَ في خلوتي دعاءً خالصاً يطرق أبواب السماء

(اللهم بارك لهما في سعدهما، وأتمم عليهما نعمتك)

إنه لَعجبٌ أن تنبت زهور الدعاء وسط حقولٍ من جمر الحزن الذي يعتصر كبدي

وبينما يغتال الأسى هدوئي، أجدني أترفّع بقلبي عن كدر الحسد

كأنَّ في الروح عهداً قديماً ألا يجاور النقاءَ شيءٌ من وحل الغيرة

فما كان فؤادي يوماً مرتعاً للضغائن، وإنما هي الأيام رمت بي في متاهات الشتات

وأوقفتني طويلاً على مشارف الفقد حتى غدت الوحدةُ رفيقةً والوحشةُ وطناً

وفي غمرة هذا الانكسار، حين تضيق الأرض بما رحبت ولا أجدُ لزفراتي مُتسعاً

لا يكون لي ملاذٌ إلا باب السماء؛ فأرفع قلبي قبل كفّي مستجيراً

(يا رب.. يا من لا يعجزه طبّ القلوب، هب لي من لدنك سكينةً تلمّ شتات روحي)

وتكون بلسماً لجراحٍ تمرد نزفها

مستجيراً بربٍّ لا يعجزه طبُّ القلوب، أن يهبني سكينةً تكون بلسماً لجراحٍ تمرد نزفُها

حتى جاوز حدود الصبر والاحتمال

اللوحة الرابعة: تساؤلات الغرام

أَهَذَا الهَوَى مِثْلُ الفِرَاقِ بِمُرِّهِ ** فَإِنِّيَ لَمْ أَعْرِفْ سِوَى لَوْعَةِ الفَقْدِ

 فَقُلْ لِي أَيَا مَنْ ذَاقَ بِالعِشْقِ وَصْلَهُ ** أَيُورِقُ غُصْنُ الحُبِّ فِي زَمَنِ الجَحْدِ

أَمِ الحُبُّ بَحْرٌ خَادِعٌ بِمِيَاهِهِ ** فَيُرْمَى بِهِ الغِرُّ الشَّقِيُّ عَلَى البُعْدِ

 أَرَى النَّاسَ عُشَّاقاً وَأَعْجَبُ مِنْهُمُ ** أَيَلْتَذُّ مَسْلُوبُ الفُؤَادِ بِمَا يُرْدِي

 فَإِنْ كَانَ نَاراً فَالجَوَى قَدْ أَذَابَنِي ** وَإِنْ كَانَ شَهْداً فَاسْقِنِي ذَلِكَ الشَّهْدي

بين لوعة الفقد وسمو النفس، أقفُ متأملاً في ماهية هذا الهوى

أهو وجهٌ آخر للفراق في مرارته؟ أم هو شجنٌ مقيم لا يبرح الروح؟ 

فما عرفتُ في دروبه إلا صبابةً تذيبُ المهج، ولا وجدتُ في مرافئه إلا ريحاً تذرو ما تبقى من هدوئي

وأتساءل في غمرة الوجد: أيورقُ غصن الحب في زمن الجحد؟ 

أم أنَّ الهوى بحرٌ لجيٌّ، يخدع الغِرَّ بصفاء مياهه، حتى إذا ما استسلم للُججه

قذفت به الأمواج غريقاً على شواطئ البعد والوحشة

ثم أرقبُ العشاقَ من حولي وأعجبُ من أحوالهم؛ كيف يلتذُّ مسلوبُ الفؤاد بما يُرديه؟ 

وكيف يستعذبُ الأسيرُ قيداً يدمي معصميه؟ 

فإن كان العشق ناراً، فقد أذاب الجوى روحي حتى تلاشت

وإن كان شهداً، فوا عجباً كيف حُرِم لساني ذوقه! 

غير أن هذا الحرمان على قسوته لم يكن يوماً مرتعاً لضغينة

بل تفجّر في أعماقي نبلاً إنسانياً باذخاً فصرتُ أجعل من ألمي جسراً يعبر عليه الآخرون نحو الفرح

وأتمنى لغيري ذلك السعد الذي استعصى عليّ نيله

اللوحة الخامسة: كبرياء اليقين

فَمَا هَزَّنِي رِيحٌ وَلَا خَارَ مَنْكِبِي ** وَلَا انْحَنَى عَزْمِي وَلَا انْهَدَّ لِي جَلَدِي

إِذَا جَرَفَتْ غَيْرِي السُّيُولُ فَإِنَّنِي ** ثَبَاتٌ كَطَوْدٍ شَامِخٍ دُونَهُ حَدِّي

شَدِيدٌ بَأْسِي فِي الشَّدَائِدِ لَمْ يَزَلْ ** وَإِنْ زَادَ مَوْجُ الدَّهْرِ لَمْ يُثْنِ مِنْ كَدِّي

أَسِيرُ بِإِيمَانٍ كَأَنَّ يَقِينِيَ ** لِسَانُ رَجَاءٍ صَادِقٍ صَانَ لِي عَهْدِي

فَلَا اليَأْسُ يَغْزُونِي وَرَبِّي مُعِينُنِي ** وَخَابَ الَّذِي يَرْجُو العَطِيَّةَ مِنْ عَبْدِ

لَمْ تَكُنِ الرِّيَاحُ العَاتِيَةُ يَوْمًا لِتَهُزَّ أَرْكَانِي، وَلَا لِتَخْفِضَ مِنْ مَنَاكِبَ اعْتَادَتْ أَنْ تُطَاوِلَ السَّمَاءَ رِفْعَةً وَإِبَاءً

ومَا انْحَنَتْ لِيَ عَزِيمَةٌ أَمَامَ عَصْفِ الخُطُوبِ، وَلَا انْثَلَمَ لِي صَبْرٌ، وَلَا دَكَّتِ الأَيَّامُ لِي جَلَدًا

ومَا كَانَ لِعَاصِفَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَنَالَ مِنْ شُمُوخِي، أَوْ تَغْمِزَ مِنْ قَنَاةِ مَنْكِبِي

وَمَا لَانَتْ لِلأَيَّامِ لِي عَرِيكَةٌ، وَلَا انْفَصَمَتْ مِنْ دُونِ الحَوَادِثِ عُرْوَةُ جَلَدِي.. 

يَمْرُقُ النَّائِبَاتُ بِي فَتَرْتَدُّ كَلِيلَةً عَنْ حِصْنِ صَبْرِي وَإِبَائِي

حِينَ تَجْتَاحُ سُيُولُ المِحَنِ الرِّجَالَ، فَتَذْرُوهُمْ كَالعَصْفِ المَأْكُولِ، أَمْثُلُ أَنَا فِي وَجْهِ الطُّوفَانِ طَوْدًا أَشَمَّ

، مَلِيكًا فِي مَمْلَكَةِ الثَّبَاتِ، تَتَحَطَّمُ عِنْدَ رَوَاسِي أَعْتَابِهِ عُتَاةُ الأَمْوَاجِ، وَتَقِفُ دُونَ حِمَاهُ هَيْبَةُ المَنُونِ

هُوَ بَأْسِي.. صَارِمٌ لَمْ يَفُلَّ الزَّمَانُ ثبَاتَهُ، وَغِرَارٌ لَا يَثْلِمُهُ تَلَاطُمُ الخُطُوبِ

فَكُلَّمَا هَاجَ بَحْرُ الدَّهْرِ وَأَزْبَدَ، تَمَطَّتْ فِي عُرُوقِي جَذْوَةُ الكَدِّ

فَلَا الكَلَلُ يَجِدُ إِليَّ سَبِيلًا، وَلَا النُّكُوصُ يَعْرِفُ لِقَدَمِي مَسِيرًا

أَقْتَفِي سُبُلَ الحَيَاةِ يَحْدُونِي بَصِيرَةُ نُورٍ، وَيَقِينٌ مُشْرِقٌ كَأَنَّهُ لِسَانُ رَجَاءٍ صَادِقِ الوَعْدِ، تَلَفَّعَ بِالوَفَاءِ

فَمَا خَانَ لِي عَهْدًا، وَلَا خَذَلَ لِي مَسْعًى

أَفَيَسْتَبِيحُ المَذَلَّةَ وَاليَأْسُ قَلْبًا حَادِيهِ رَبُّ السَّمَاوَاتِ؟ 

وَكَيْفَ يَضِلُّ مَنْ كَانَ الدَّيَّانُ عَوْنَهُ وَمَلَاذَهُ! 

شَاهَتْ وُجُوهُ الذِينَ طَأْطَأُوا الجِبَاهَ خُضُوعًا، وَخَابَتْ أَمَانِي نُفُوسٍ ارْتَضَتْ أَنْ تَلْعَقَ فُتَاتَ العَبِيدِ

بَيْنَمَا مَنْبَعُ العِزِّ عِنْدَ العَزِيزِ لَا يَغِيضُ

اللوحة السادسة: الركون إلى لطف الله

ضَلَلْتُ بِأَوْهَامِي وَرَجَوْتُ خَالِقِي ** بِأَنْ يَلْطُفَ المَوْلَى وَيَكْشِفَ مَا عِنْدِي

 فَحَالِيَ صَعْبٌ وَالمَشِيبُ غَزَا الصِّبَا ** وَلَوْلَا رَجَاءُ اللهِ لَانْهَارَ لِي سَدِّي

إِلَيْكَ رَفَعْتُ الكَفَّ أَبْغِي سَكِينَةً ** فَأَنْتَ غِيَاثِي حِينَ يَعْصِفُ بِي كَرْبِي

 فَيَا لَطِيفاً بِالعِبَادِ إِذَا قَسَا ** زَمَانِي عَلَيَّ وَاسْتُبِيحَ بِهِ جَهْدِي

 أَنِلْنِي مِنَ الأَلْطَافِ فَيْضاً لَعَلَّنِي ** أَرَى لِشِتَاتِ الرُّوحِ بَعْدَ النَّوَى بَعْدِي

تَاهَتْ بِي قَوَافِلُ الظُّنُونِ فِي مَتَاهَاتِ الأَوْهَامِ، وَأَضَلَّتْنِي بَوَارِقُ السَّرَابِ

فَمَا وَجَدْتُ لِي مَلْجَأً إِلَّا أَنْ أَطْرَقَ بَابَ الرَّجَاءِ، مُبْتَهِلًا إِلَى خَالِقِي أَنْ يَتَدَارَكَنِي بِلُطْفِهِ الخَفِيِّ

وَيَكْشِفَ عَنِّي مَا غَشِيَ الرُّوحَ مِنْ غُمَّةٍ وَأَسَى

إِنَّهُ المَقَامُ الذِي تَعْجَزُ عَنْ حَمْلِهِ الكَلِمَاتُ؛ فَقَدْ غَزَا المَشِيبُ بَوَاكِيرَ الصِّبَا، وَأَثْقَلَتِ الأَيَّامُ كَاهِلَ القَلْبِ بِمَا لَا يُطِيقُ

وَلَوْلَا حَبْلٌ مِنَ الرَّجَاءِ مَمْدُودٌ إِلَى السَّمَاءِ، لَانْهَارَ سَدُّ الصَّبْرِ فِي نَفْسِي، وَلَجَرَفَتْنِي سُيُولُ الانْكِسَارِ

إِلَيْكَ وَحْدَكَ، يَا غِيَاثَ المُسْتَغِيثِينَ، رَفَعْتُ أَكُفَّ الفَاقَةِ وَالاضْطِرَارِ، نَاشِدًا سَكِينَةً تَهْطِلُ عَلَى رُوعِي المُرْتَجِفِ

فَأَنْتَ الحِمَى والمَلَاذُ حِينَ تَعْصِفُ بِي كُرُوبُ الدَّهْرِ، وَتَضِيقُ بِيَ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ

فَيَا لَطِيفًا بِالعِبَادِ حِينَ تَقْسُو المَقَادِيرُ، وَيَجُورُ الزَّمَانُ، وَيُسْتَبَاحُ مِنْ دُونِ المِحَنِ جُهْدِي وَعُمْرِي.. 

أَمْطِرْ عَلَى قَحْطِ رُوحِي فَيْضًا مِنْ أَلْطَافِكَ الغَامِرَةِ، لَعَلَّ هَذَا الشِّتَاتَ المُرَّ يَلْتَئِمُ

وَلَعَلَّ الأَمَانَ يَؤُوبُ إِلَى نَفْسِي بَعْدَ طُولِ نَوَى وَاغْتِرَابٍ

اللوحة السابعة: ملاذُ الانكسار

 وَعِيدُ الغَرِيبِ الدَّمْعُ يَجْرِي بِجَوْفِهِ ** وَتَظْهَرُ مِنْ صَدْرٍ أَنِينًا بِلَا رَدِّ

أَيَا نَفْسُ صَبْراً، ذَا قَضَاءُ إِلَهِنَا ** فَسِيرِي بِدَرْبٍ، فَالصَّبَاحُ عَلَى وَعْدِ

 سَيَجْلُو ظَلَامَ الهَمِّ نُورٌ مُؤَمَّلٌ ** وَيَنْبُتُ زَهْرُ الوَصْلِ فِي جَدَبِ السُّهْدِ

 فَمَا خَابَ مَنْ كَانَ الرَّجَاءُ طَرِيقَهُ ** إِلَى مَنْ لَهُ الإِجْلَالُ فِي المَنْشَإِ الفَرْدِي

خَتَمْتُ قَصِيدِي وَالجِرَاحُ كَلِيمَةٌ ** فَيَا رَبِّ سَكِّنْ لَوْعَتِي وَاجْبُرَ فَقْدِي

وَعِيدُ الغَرِيبِ دَمْعٌ هَتُونٌ يَجْرِي فِي سَرَادِيبِ نَفْسِهِ الكَلِيمَةِ

وَأَنِينٌ صَامِتٌ يَنْبَعِثُ مِنْ جَوَانِحِ صَدْرٍ أَقْهَرَهُ الصَّمْتُ، فَلَا يَجِدُ لَهُ فِي صَدَى الحَيَاةِ رَدًّا، غَيْرَ زَفَرَاتٍ تَحْرِقُ سَكِينَةَ المَدَى

لَكِنَّنِي أَلْتَفِتُ إِلَى هَذِهِ المَضْغَةِ بَيْنَ جَنْبَيَّ وَأَقُولُ:

أيَا نَفْسُ صَبْراً جَمِيلاً! 

فَمَا هَذِهِ التَّصَارِيفُ إِلَّا قَضَاءُ إِلَهِنَا العَدْلِ المَحْتُومِ، فَاحْمِلِي سِرَاجَ التَّجَلُّدِ وَسِيرِي فِي دُرُوبِ هَذِهِ الحَيَاةِ بِخُطًى ثَابِتَةٍ

فَإِنَّ تَبَاشِيرَ الصَّبَاحِ الأَبْلَجِ عَلَى مِيعَادٍ مَعَ العُيُونِ السَّاهِرَةِ

وَيَقِينِي أَنَّ ظَلَامَ الهَمِّ الجَاثِمِ سَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ بِأَنْوَارِ فَرَجٍ مُؤَمَّلٍ

وَأَنَّ رِيَاضَ الوَصْلِ سَتُزْهِرُ رَغْمَ أَنْفِ هَذَا السُّهْدِ المُرِّ الذِي اسْتَبَاحَ جَدَبَ الأَيَّامِ

فَمَا خَابَ مَنْ جَعَلَ المَحَجَّةَ بَيْضَاءَ بِالرَّجَاءِ، وَمَا ضَلَّ مَنْ أَمَّ طَرِيقَهُ نَحْوَ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، الخَالِقِ الفَرْدِ الصَّمَدِ

عِنْدَ هَذَا الأُفُقِ الطَّاهِرِ أَطْوِي سِجِلَّ قَصِيدِي، وَأَخْتِمُ بَوْحِي النَّابِضَ، بَيْنَمَا جِرَاحِي لَا تَزَالُ دَامِيَةً عَمِيقَةً.. 

فَيَا رَبَّ المَلَكُوتِ، وَيَا قِبْلَةَ المُنْكَسِرِينَ، سَكِّنْ لَوْعَةَ القَلْبِ المَوؤُودِ

وَاجْبُرْ كَسْرِي جَبْرًا يَلِيقُ بِجَلَالِ رَحْمَتِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَأَعِدْ لِرُوحِي سَكِينَتَهَا التِي فَقَدَتْ

orent

أبو عبد العزيز 


.