السبت، 24 أكتوبر 2026

حتى لا يعيد التاريخ نفسه

 


حتى لا يعيد التاريخ نفسه

القرن الرابع الهجري: عصر صعود النفوذ الشيعي

القرن الرابع الهجري: عصر صعود النفوذ الشيعي

لم يكن القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) مجرد حقبة زمنية مُقتطعة من عمر الزمن

بل كان عطفة تاريخية فارقة ومرحلة بالغة الدقة والأهمية في مسار الأمة الإسلامية

حيث شهدت هذه الحقبة مخاضاً سياسياً عاصفاً أعاد تشكيل خريطة النفوذ والسلطة من المشرق إلى المغرب

وقد تجلّى هذا التحول التاريخي العميق في مظهرين رئيسين:

1-    أفول المركز وانحسار الشوكة العباسية:

حين أوشكت شمس الخلافة العباسية في بغداد على الأفول وفقدت قبضتها الفعلية على الأقاليم

ليتحول الخليفة إلى نمطٍ رمزيٍ يُستحضر دينيّاً وتُسلب منه أزمة السلطة التنفيذية

مما أحدث فراغاً سياسياً أتاح للمجالات الإقليمية أن تغلي بحراك استثنائي

2-    صعود النفوذ الشيعي وتمدد الرايات:

فملأت الفراغ السياسي قوى صاعدة بسطت نفوذها على عواصم القرار الإسلامي

فانتثرت مقاليد الحكم العسكري والسياسي بين دويلات متعددة الرايات متفرقة النطاق

حيث انحسر النفوذ السني المركزي لصالح حضور شيعي طغى على المشهد المشرقي والمغربي

وتجسد في صرح الدولة الفاطمية، وسلطان البويهيين، ونشاط القرامطة، وقيام الدولة الهادوية

 القوى الفاعلة في القرن الرابع: الدولة الفاطمية (العبيديةِ)

إنّ الناظر في طيات التاريخ، ومطالع الأعصار، ليقف متحققاً من سنن الله في تداول الأيام والدول

وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتحديداً في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة للهجرة

عصفت برياح المشرق والمغرب نوازلُ جسام، وبزغت في أفق الديار المصرية كوكبَةٌ غدت منافساً خطيراً

وماردًا إقليمياً جَسُوراً

لقد قامت الدولة الفاطمية المعروفة في أدبيات خصومها بـ (العبيدية)، منتسبةً إلى العقائد الإسماعيلية الباطنية

حاملةً لواء دعوة عريضة اصطدمت بالخلافة العباسية السنية ونازعتها الهيمنة والنفوذ

وحين وطأ المعز لدين الله الفاطمي أرض مصر، وخطا فيها خطوَ المتمكن الواثق سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة

للهجرة طوت هذه الدولة بساط الأمور القديمة، وبسطت سلطانها المنيع على الديار المصرية

لتمتد أطرافه بعد ذلك وتطال الشام وخصيبها، وتبلغ مخالب النفوذ أجزاءً من الجزيرة العربية

فارتفعت راياتهم في وجه الخلافة السنية منافسةً لها في السؤدد والتمكين

ومنازعةً لها في قلوب الرعية وسلطان الأرض

لقد كانت تلك الحقبة مرجلًا يغلي بالصراعات العقدية والسياسية

حيث انتصبت أركان تلك الدولة الفاطمية كالسدّ المنيع والخصم الألدّ لأهل السنة والجماعة

في مشهدٍ تاريخيٍّ أبدع فيه الدهر لوحةً من التنافس المحتدم على زعامة الأمة

تكسرت على صخورها تحالفات، وقامت في طياتها عهود طوال

سلطان البويهيين:

ولمّا دار رحى الزمان في ذلك القرن الرابع العجيب، لم تقتصر النوائب على مصر ومنابت النيل وحدها

بل امتدّت أذرع الهيمنة وتناهبت الأهواء عقر دار الخلافة الإسلامية

فإذا بأفق المشرق يشهد بزوغَ سلطانٍ آخر، شقّ عصا الطاعة وفرض وصايته الصارمة على عرش الخلافة

العباسية تلك هي الدولة البويهية، التي أشرقت شمسها الديلمية ذات المذهب الشيعي الاثنا عشري على ديار

فارس والعراق فقبل أن يعتلي الفاطميون منبر مصر، كان البويهيون قد اقتحموا بغداد المعززة سنة أربع

وثلاثين وثلاثمائة للهجرة (334 هـ) ليقبضوا على تلابيب الخلافة ذاتها

وصار الخليفة العباسي تحت سلطانهم أسيراً في قصره اسماً بلا مسمى، ورسمًا بلا حكم، ورمزًا بغير شوكة

فمكثوا في رقاب الأمور وزمام السلطة يعبثون بنفوذها العسكري والسياسي أمدًا طويلا تجاوز القرن من الزمان

وبقيت الخلافة العباسية على ضعفها وهوانها وتجريدها من مفاتيح الملك شعلةً سنيةً رمزيةً جامعةً لشتات وحدة المسلمين الاسمية

في حين تفرقت دماء السلطة الحقيقية بين أيدي أولئك البويهيين في بغداد وعموم العراق وأجزاء واسعة من

إيران

وبين طموحات الفاطميين في المغرب ومصر لم يكن المشهد لينتهي عند هذا الحدّ من التشظي والتنازع

بل تفتقت أرض الإسلام عن خطرٍ آخر فرقةٍ جعلت بأسها بين المسلمين شديداً، وتلك هي فرقة القرامطة

فرقة القرامطة:

ولم تكد الديار الإسلامية تفيق من وقعات البويهيين والفاطميين

حتى طالعتنا فرقة القرامطة بأعاصير الموت والدمار، فكانوا شجوَ الزمان وقرحةَ الأيام

لقد برزت تلك الفرقة المنضوية تحت عباءة الإسماعيلية الباطنية

متخذةً من شرقيّ الجزيرة العربية (أرض البحرين وما حولها) عقر دار ومنطلقًا لشرورها

فامتد نشاطهم البغيض يعيث في الأرض فسادًا، ويملأ القلوب رعبًا

وما عرف التاريخ أجرأ منهم على حرمات الدين ولا أطمع في دماء المسلمين

فقد اشتهرت طائفتهم بأحداث كبرى اهتزت لها عمائم بغداد وعروش الأمصار

إذ عمدوا إلى تهديد طرق الحج وقطع السبل على قوافل الحجيج الآمنين، سالبين أموالهم

ومريقين دماءهم الطاهرة في الفلوات والصحاري

ولم تقف بهم الحال عند قطاع الطرق وسفك الدماء، بل بلغت بهم الجرأة مبلُغًا فضيعًا حين تطاولوا على أطهر

بقاع الأرض فاستباحوا الحرم المكي، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، في مشهدٍ أدمى قلوب أهل الإيمان

وظل جرحًا غائرًا في جسد الأمة

لقد تمخّض ذلك القرن الرابع الهجري عن فتنٍ كقطع الليل المظلم تكسّرت على صخوره نبال الأمن

وبقيت تلك الأحداث شاهدةً على محنة الخلافة وسلطانها الممزق بين براثن الباطنية وصولة الطامعين

الدولة الهادوية:

ولم ينقضِ ذلك القرن الرابع العجيب، الذي تشتّت فيه عصا الإسلام وتفرقت أياديه سبأ

حتى بزغ في الديار اليمنية طالعٌ آخر رسّخ قواعد فرقةٍ عريقةٍ من فرق الشيعة

ففي تلك الربوع المنيعة، أشرقت شمس الدولة الهادوية

التي أسس لبناتها الأولى ونصب قواعدها الإمام يحيى بن الحسين الرسي، الملقّب بـ (الهادي إلى الحق)

فخفق لواء دعوته في اليمن العتيق، متخذاً من صعدة وما حولها معقلاً حصيناً

ولم تكن تلك الدولة وليدة صدفةٍ سياسية، بل غدت النواة الراسخة والركيزة الكبرى لتمكين المذهب الزيدي

بشقيه السياسي والفقهي في ربوع اليمن، ليضرب جذورًا عميقةً في تلك الجبال الشامخة

وانضاف ذلك إلى عقد ذلك العصر العجيب الذي تقاسمت فيه النفوذَ ركائزُ الشيعة بمختلف نزعاتها:

(الفاطمية الباطنية، والبويهية الإثنا عشرية، والقرامطة المارقة، وصولاً إلى الهادوية الزيدية)

في مشهدٍ تاريخيّ بليغ تكالبت فيه النحل والمذاهب على تمزيق جسد الخلافة الواحدة

وإعادة صياغة خريطة النفوذ في ديار الإسلام

الرمزية السنية والنفوذ الشيعي في القرن الرابع الهجري

لم يكن المشهد الإسلامي في القرن الرابع الهجري صبغةً أحادية اللون، ولا انقساماً حدّياً بين شرقٍ سُنّيٍّ خالص

وجنوبٍ أو غربٍ شيعيٍّ محض؛ بل كان بحق (عصر الدول المتعددة)، ومسرحاً لتنافسٍ مذهبي وسياسيٍّ واسع

النطاق تتداخل فيه مناطق النفوذ والسيطرة.

وفي صخب هذا التحول التاريخي، تجلّت دقة المشهد وطبيعته المركبة في محاور أساسية:

1-    الرمزية السنية في قلب السلطة

على الرغم من بسط البويهيين الشيعة سلطانهم على مقاليد الحكم الإداري والعسكري في بغداد، وخضوع أقاليم

واسعة في مصر والشام والجزيرة العربية لقوى شيعية متعددة (كالفاطميين والقرامطة والحمدانيين)

فقد ظلّ المنصب الديني الأبرز المتمثل في الخلافة العباسية محتفظاً برمزيته السنية ورسالته المركزية

وبقيت بغداد حاضرةً علمية وثقافية شامخة، تلتقي في أروقتها أدبيات المذاهب السنية

(من حنابلة وحنفية وشافعية) لتتساجل وتتناظر مع بقية المدارس الكلامية والفكرية.

2-    (نجد واليمامة) ... العزلة وضغوط الجوار

يأخذ المشهد السياسي في وسط الجزيرة العربية طابعاً خاصاً يُباين عواصم الخلافة في المشرق والمغرب

ويتلخص حقيقة واقعها في بُعدين:

أ‌-       إمارة بني الأخيضر في اليمامة: في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري

(تحديداً سنة 253 هـ / 867 م)، أسس محمد بن يوسف الأخيضر (من العلويين الحسنيين) إمارته متخذاً

من (الخضرمة)الخرج حالياً قاعدةً لحكمه. واستمرت هذه الأسرة تحكم أجزاء واسعة من اليمامة ووسط

نجد طوال القرن الرابع ومطلع الخامس الهجري

ورغم نسبهم العلوي، إلا أن المصادر التاريخية لا تصف إمارتهم بأنها (دولة شيعية مذهبية) بالمعنى السيادي

المنظم كالمشرق والمغرب، بل كانت سلطة محلية استقلت عن بغداد وسط ظروف انكماش المركز

وعاش أهل نجد في كنفها في عزلة نسبية

ب‌-   نفوذ القرامطة (الجار الشرقي لنجد): تمثلت القوة الكبرى ذات التوجه الشيعي الباطني في إقليم

البحرين والأحساء بالدولة القرمطية. ورغم أن نجد واليمامة لم تكونا مركزاً مستقراً لحكم القرامطة

المباشر، إلا أنهما وقعتا في مرمى غاراتهم العسكرية ومسالك حملاتهم نحو العراق والشام

مما جعل قبائل بادية نجد تحت وطأة هذا الضغط الخارجي، والتأثر بقطع طرق الحجاج وحالة الاضطراب الأمني

فـأنه لا يصح تاريخياً وصف الواقع النجدي (وسط نجد) بالخضوع لنفوذٍ سياسي شيعيٍّ نافذ ومستقر بمفهومه

المؤسسي الشامل، بل كان الإقليم مجرد إمارة محلية مستقلة فالأخيضريين)، يعانون العزلة وانقطاع الأخبار

وسط تهديدات وضغوط خارجية مستمرة من القرامطة الحرمان الشريفان.. بين غارات الباطنية

والولاء السياسي المتأخر

أما مكة المكرمة والمدينة المنورة لم تخضع لنفوذ سياسي شيعي مستقر طوال القرن الرابع الهجري

بل مرتا بتحولات وتجاذبات معقدة عبر محطتين رئيسيتين:

- القرامطة واعتداءات الحرم المكي: عرضت مكة المكرمة سنة (317 هـ / 930 م) لأعنف هجوم

تاريخي حين استباحها القرامطة بقيادة أبي طاهر الجنابي في موسم الحج، وارتكبوا مجزرة مروعة بحق

الحجاج، واقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى الأحساء، حيث بقي هناك حتى أعيد سنة (339 هـ)

ولم يمثل هذا الاعتداء حكماً أو سيطرة إدارية مستقرة، بل كان استباحة عسكرية وغارات لقطع الطرق

- تقلبات ولاء مكة: تأرجحت مكة المكرمة بين تبعية لولاة مصر (من عباسيين وإخشيديين) واضطرابات

القرامطة. وعقب قيام الدولة الفاطمية في مصر سنة (358 هـ / 969 م)، شهدت تحولاً تدريجياً لولاء

أشراف مكة نحو القاهرة؛ فُذكر الخليفة الفاطمي على المنابر في إطار تبعية سياسية ودبلوماسية تتذبذب

بحسب قوة الفاطميين، واستقلالية الأشراف المحليين المتقلبة، ودخولهم الفلك الفاطمي

- موقف المدينة المنورة: ظلت في الغالب تحت النفوذ الإداري والرمزي التابع للخلافة العباسية

نخلص من ذلك إلى أنه لم تُسلب راية السنة في القرن الرابع الهجري رغم انكماش السلطة المركزية

بل ظلت بغداد محتفظة برمزية الخلافة، وظل وسط الجزيرة يعيش استقلاله المحلي تحت عزلة نجد

وفي المقابل، مرّ الحرمان الشريفان بتقلبات سياسية بين مركزية بغداد والتبعية المتأخرة لفاطميي مصر

مما يجعل وصف هذه الحقبة بـ (السيطرة الشيعية التامة) قراءةً تبسيطية تغفل تعقيدات التاريخ وتوازناته الدقيقة

الدولة السامانية: قلعة الإشعاع السني

بينما كانت العواصم الكلاسيكية للحضارة الإسلامية تخضع لنفوذ سياسي شيعي نافذ

وتتكاثف على أرجائها أهوال الفتن وتلاطم الأمواج، أشرقت من وراء النهر وخراسان شمسٌ سنيةٌ وضاءة

تُعلن للناظرين أن المشهد لم يكن أحادي اللون، بل كان مرجلاً تصارع فيه الحق والباطل، وتقاطعت عنده الحضارات

هناك، في المشرق الإسلامي البعيد، تجسدت الدولة السامانية (279–389 هـ / 819–999 م)

حصناً سُنّياً حصيناً، وسدّاً منيعاً وقف في طليعة الأمة يذود عن حمى العقيدة

ويردّ عاديات التيارات الباطنية العابثة، وجحافل القرامطة، والمدّ البوذي المتغلغل في أعماق آسيا الوسطى

ولم تقف رسالتها عند حدود الدفاع والصمود، بل اتسعت أفقاً وبناءً

فأنارت تخوم تركستان بشعاع الإسلام السني عبر أواصر التبادل التجاري وفتوح اليقين

ولم تكن الريادة السامانية مقصورةً على السيف والسنان أو القوة المذهبية فحسب

بل غدت صرحاً متوهجاً للإشعاع الثقافي، وعصراً ذهبياً لنهضة علمية وأدبية وفارسية-إسلامية فريدة

ففي ظلال سلطانهم العادل، تنفّس الصبحُ شعراً وأدباً على ألسنة أساطين البيان

وبزغت بدايات (الفردوسي)، ونهل العباقرة كـ (ابن سينا) من نمير بيئتهم الحاضنة للعلوم والمعارف

وهكذا أنجلى المشهد عن مفارقة تاريخية عجيبة

فبينما كانت بغداد دار الخلافة الشاخصة، ومصر والشام وأجزاء من الجزيرة العربية تقبع تحت وطأة

النفوذ الباطني والشيعي بتشعباته

كانت أرض خراسان وما وراء النهر في كنف السامانيين قلعةً شامخةً وحاضرةً مضيئة

أثبتت أن المشرق السني كان شريكاً أصيلاً في صياغة هوية تلك الحقبة

لتبقى راية السنة مرفوعةً ومتوهجة رغم عواصف الزمان

بؤرة الاحداث: صراع العروش وصدى العقائد

في منتصف القرن الرابع الهجري، أفاقت بغداد على واقع سياسي جديد بفرض سيطرة الدولة البويهية (الشيعية)

على مقاليد الحكم، بينما ظلّت الخلافة العباسية (السنية) تحتفظ بالرمزية دون نفوذ حقيقي ومن أبرز معالم تلك المرحلة:

1.     الشارع المنقسم جغرافياً: انقسمت بغداد إلى خطوط تماس مذهبية صارمة فالكرخ معقل الشيعة

        والرصافة حصن السنة مما جعلها مسرحاً متكرراً لـ (الفتن الطائفية) والصدامات الدموية عند أدنى احتكاك

2.     التناظر العقلاني والتعايش السلمي: رغم أزيز الفتن، ازدهرت المجالس الأدبية والوزارية (كمجلس الصاحب بن عباد)

وشهدت مناظرات علمية رصينة قادها علماء ومفكرون من مختلف المذاهب لحماية المدينة من الانزلاق التام نحو الفوضى

الحنابلة (حراس العقيدة): برز التيار الحنبلي كقوة شعبية كبرى وكتلة صلبة في الشارع السني البغدادي

فقادوا الصمود الشعبي، وناوروا سياسياً للضغط على البويهيين والخليفة معاً، وسدّوا الفراغ المؤسسي

والروحي بالوعظ والأمر بالمعروف ومثّلت مدرسة الحنابلة (الضمير الحي) والجيش الشعبي لبغداد

حيث نجحت في حماية الهوية السنية وفرضت على سلاطين بني بويه (1) ألف حساب لغضبة الشارع البغدادي

أبرز أعلام الحنابلة وزعماء الشارع:

- الإمام أبو بكر الخلال (ت 311 هـ): مهندس المدرسة ومُدوّن المذهب.

- الإمام أبو بكر غلام الخلال (ت 363 هـ): الزعيم الروحي والبارز في وجه النفوذ البويهي

- الإمام أبو الحسين بن البَرّاء (ت 373 هـ): منارة الثبات وحامي العقيدة عبر الحلقات العلمية

- الإمام ابن بِطَّة العُكبري (ت 387 هـ): شيخ السنة، وصمام الأمان، ورمز الزهد والشجاعة

- الإمام أبو عبد الله ابن حامد (ت 403 هـ): درع المذهب وفقيه المناظرات البارع

- الشريف أبو جعفر الحنبلي (ت 470 هـ): رمز الصمود الأخير وحاقن دماء العامة في أواخر العصر البويهي وبداية السلجوقي

أفول البويهيين وبزوغ الفجر السلجوقي (عام 447 هـ)

مثّل دخول السلاجقة إلى بغداد في محرم سنة 447 هـ (1055 م) مسك الختام لقرن كامل من الهيمنة البويهية

وفتحة عهد جديد في تاريخ الخلافة العباسية ولم يكن هذا التحول وليد لحظة عابرة، بل ثمرة حتمية لتآكل الدولة

من الداخل وصعود قوة فتية من الشرق

عوامل انهيار الدولة البويهية

- التنافس الأسري المدمر: بعد وفاة (عضد الدولة)، غرق أبناؤه وأحفاده في صراعات دموية

على السلطة وتقاسم الولايات، مما أنهك الاقتصاد فتشتّتت القوة العسكرية

انقسام الجيش والصراع العرقي: استعان البويهيون بفصيلين متناحرين (الديلم والأكراد مقابل الترك)

فتشتّتت بغداد في حرب شوارع لا تنتهي

الخراب والسخط العام: أدى هذا التداعي إلى شلل التجارة وعجز الإدارة عن دفع رواتب الجند

ليشتعل سخط البغداديين كافة، سنةً وشيعةً

استنجاد الخلافة بالسلاجقة

في الأقاليم الشرقية، كانت قبائل الغُزّ(2) التركية بقيادة طغرل بك تؤسس دولة سنية قوية ومتحمسة للولاء

الاسمي للخليفة العباسي وأمام هوان الخلافة وفوضى البويهيين، بعث الخليفة القائم بأمر الله رسائل الاستغاثة

إلى طغرل بك يدعوه لإنقاذ دار السلام وإعادة هيبتها

يوم بغداد المشهود (عام 447 هـ)

-الانهيار الصامت: مع إطلالة الجيوش السلجوقية، تهاوت المقاومة البويهية بلا معركة حقيقية، وفرّ آخر

الأمراء (الملك الرحيم) أو أُسر

- الاستقبال والتتويج: استقبل الخليفة طغرل بك بحفاوة بالغة في دار الخلافة، وأسبغ عليه لقب) ملك

المشرق والمغرب (، مفوضاً إليه مقاليد السلطة التنفيذية والعسكرية

- الابتهاج السني: هلل الحنابلة وعامة أهل السنة بقدوم السلاجقة، عادّين إياهم درعاً حصيناً أعاد لعمود

الخلافة السنية هيبتها المفقودة

3.     حصيلة التحول التاريخي

طُوت صفحة البويهيين بعد 113 عاماً من الحكم، لتبدأ الحقبة السلجوقية التي جلبت استقراراً أمنياً نسبياً ونهضة

علمية مؤسسية (كالمعاهد النظامية)، ولتتغير الخريطة الجيوسياسية للعالم الإسلامي بتمكين العناصر التركية

من دفة القيادة العسكرية

في دوافع الادعاء بالنسب (المطامع العارضة)

على الجانب الآخر، شهدت بعض المراحل التاريخية محاولات لبعض الأفراد أو العشائر لادعاء الانتساب

لآل البيت، وتتفرع أسباب ذلك إلى دوافع عدة:

  1. الامتيازات المالية (سهم الخمس): خصص الفقه الشيعي سهماً للفقراء والمساكين من ذريّة بني هاشم

مما أغوى بعض النفوس الضعيفة للادعاء طمعاً في الموارد المادية

  1. الوجاهة الاجتماعية: يحظى المنتسب لآل البيت بتقدير واحترام واسعين في المجتمعات الشيعية

وهو ما سعى إليه بعض المتطلعين لاكتساب ثقل عشائري أو سياسي

  1. فوضى الاضطرابات وتجارة الأنساب: في أزمنة الفوضى وغياب المؤسسات التوثيقية الرسمية

ولا سيما في مرحلة فوضى العصر البويهي وما رافقها من صراعات سياسية واختلالات إدارية، وصولاً

إلى سقوط الدولة البويهية وما تبع ذلك من تفكك وانعدام للرقابة المركزية نشطت شبكات من (النسابين

التجاريين) الذين زوّروا مشجرات الأنساب مقابل المال

الخاتمة والدروس المستفادة

حتى لا يعيد التاريخ نفسه

التاريخ ليس مجردَ صفحات تُطوى، بل هو مِرآةٌ صقلية تعكسُ طبائعَ النفوس وسُننَ الحياة

وحين نرددُ عبارة (حتى لا يعيدَ التاريخُ نفسَه) فإننا لا نملكُ في الحقيقة تغييرَ زُخرف الماضي

ولكننا نملكُ فكَّ شفراتِه والاعتبار بعِبرِه

التاريخ يُعيد نفسَه حينَ تغفو العقول وتتشابه الخُطى فالحوادثُ وإن اختلفتْ أزياؤُها وأسماؤُها

تبقى مسبِّباتُها واحدة. إنَّ النبوغةَ والوعيَ هما الوحيدان القادران على كسرِ هذه الدائرةِ المفرغة

فمَن لم يقرأِ الأمسَ بعينِ الفاحِصِ، بات عُرضة لأن يكون حطباً لسراديب الغد

الاعتبارُ ليس جَليساً للماضي، بل هو المعمار الحقيقي لبناءِ المستقبل

حَزمُ القيادة في مواجهةِ رَهانِ التاريخ

إنَّ قراءةَ التاريخ بعينٍ فاحصةٍ لا تقف عندَ حدودِ العِبرة والنظرية، بل تتجسَد حيَّةً في المواقف السياسية

الحاسمة التي تُعيد للأمة توازنَها وتصون وحدتَها

فقد أدرك خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ سلمانُ بنُ عبد العزيز حفظه الله وولي عهده الأمير محمد بن سلمان

بتبصرٍ نافذٍ وخبرةٍ تاريخية عميقة

أنَّ السماح بتكرارِ النماذجِ الظلاميةِ التي مزقتْ جسدَ الأمةِ قديماً من دويلاتِ الانقسام والنزعة الطائفية

والمشاريعِ الهدامة كالقرامطة والبويهيين والفاطميين والهادويين في صورِها المعاصرةِ المتمثلةِ في

الميليشيات الحوثية والحزب اللبناني والمليشيات العراقية والمشاريع الإقليمية العابرة للسيادة

يُمثِّل خطراً وجودياً لا يمكن التهاون معه

لقد جاءت الرؤيةُ الحكيمةُ والمواقف الحاسمةُ للمملكة العربية السعودية لتقف سداً منيعاً في وجه هذه

المحاولات لإعادة تدوير التاريخ مؤكدةً أنَّ الأمن والاستقرار لا يُصانان إلا باليقظة الدائمة والوقوف بحزمٍ

أمام كلّ مَن يُحاول العبث بمقدرات الأمة ومستقبل شعوبِها، صوناً للمكتسبات وحمايةً للسيادة والعروبة والاسلام

حراسة الثغور.. ومعركة العقيدة والوجود

ومثلما واجهت الأمة في قرنها الرابع الهجري مدَّ الباطنية وجحافل القرامطة، تقف المملكة العربية السعودية

اليوم بحزم قيادتها أمام أطماع الميليشيات الحوثية التي تحاول إعادة استنساخ تلك الحقبة المظلمة

إن مواجهة المملكة لهذه الميليشيات لا تمثل صراعاً سياسياً عابراً، ولا خضوعاً لحسابات أو أطماع جغرافية

ضيقة كما يظن القاصرون ويقرؤها السطحيون بعيداً عن عِبر التاريخ؛ بل تقف المملكة في طليعة الأمة

الإسلامية درعاً متيناً وحصناً منيعاً، يذود بصلابة عن حياض العقيدة والتوحيد

إنها تقف اليوم سداً شامخاً في وجه مشروعٍ خبيث وتمددٍ فكري يسعى لتلويث صفاء الدين، وتكرار مآسي

التاريخ كما تجلت في القرون الخوالي؛ حيث يُستباح الدم البريء

وتُزوَّر الحقائق تحت ستار الشعارات الزائفة

وإن هذه المعركة الكبرى لا تقبل أنصاف الحلول؛ فمن تنكَّب الطريق

أو اختار الحياد السلبي، بل ومن تجرأ فوق ذلك فأنشأ قدماً في صف الخصوم

إنما يُسائل نفسه في بوصلة انتمائه لعروبته وصدق ولائه لعقيدته

فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والعقيدة نقيةٌ لا تقبل المساومة

________

1 بنو بويه (أو البويهيون) هي سلالة إيرانية من الديلم ذات أصول متواضعة، تمكنت من تأسيس الدولة البويهية في أواخر العصر العباسي الثاني (من سنة 334 هـ / 945 م إلى سنة 447 هـ / 1055 م)

2- قبائل الغُزّ (أو أتراك الأوغوز: هي تحالف قبلي تركي غربي عريق من شعوب آسيا الوسطى، وتُعتبر الجدّ التاريخي لأبرز السلالات والدول التركية التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي والعالمي، مثل السلاجقة والعثمانيين والقاجاريين، واختزل اسمهم فيما بعد ليُعرفوا بـ التركمان

 orent

أبو عبد العزيز



.