السبت، 10 يناير 2026

آيَة الْحُسْنِ وَعِفَّة النَّظَر

 


آيَةُ الْحُسْنِ وَعِفَّةُ النَّظَرْ

لَمَّا بَدَا الْبَدْرُ يُجْلِي ظُلْمَةً *** الليل وَأَضَاءَ بِالسَّنَا وَأَسْفَرْ

وَانْثَنَى بِالنُّورِ حَتَّى عَمَّنَا *** وَغَشَى جَمِيعَ الْأَرْضِ ثُمَّ انْتَشَرْ

لَاحَتْ بِرِيَاضِ الْعِزِّ ظَبْيَةُ حُسْنٍ *** تَسْلُبُ اللُّبَّ قَسْراً وَالْبَصَرْ

لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً زَادَهَا *** رَهْبَةً َ وَهْيَ بِهِ قَدْ تَسْتَتِرْ

تَجْلُو دُجَى اللَّيْلِ بِوَجْهٍ كَالضُّحَى *** نَابَتْ إِذَا مَا غَابَ عَنَّا الْقَمَرْ

***

تُضِيءُ لَيْلَ "الرِّيَاضِ" بِنُورِ وَجْهٍ *** كَالصُّبْحِ حِينَ يَبِينُ فِي وَضَحِ السَّحَرْ

سَحَرَتْ أَنَامًا بِتَوْرِيْدٍ، فَحَارَتْ فِيـ *** ـهَا النُّهَى، وَتَوَارَى الْفِكْرُ وَالْحَذَرْ

قَدْ أُكْمِلَ الْحُسْنُ فِيهَا حِينَ صَوَّرَهُ *** رَبِّي، فَـقَصَّرَ فِي أَوْصَافِهَا الشِّعِرْ

تَجَلَّى الْجَمَالُ بِهَا فَأَصْبَحَتْ "رُؤىً" *** صَاغَ الْجَمَالَ لَهَا الرَّبُّ الْمُقْتَدِرْ

سُبْحَانَ مَنْ أَبْدَعَ فِي تَكْوِيْنِهِا حُسْنًا *** حَتَّى بَدَا فِي صُنْعِهِ أَبْهَى الأَثَرْ

****

لَمْ تَرَ عَيْنِي شَبَهًا لِحُسْنِـهَا *** وَلَا مَثِيـلَ لَهَا سِوَى نُسْخَةِ الْقَمَرْ

فَإِنْ رَنَتْ خِلْتَ فِيهَا الرِّيمَ جَافِلَةً *** وَإِنْ هِيَ سَفَرَتْ لَاحَ السَّنَا الأَغَرْ

تَبَسُّمُ الثَّغْرِ لِلْأَلْبَابِ فَاتِنٌ *** وَمَا غَرَامِيَ وَصْفُ ذَاكَ الثَّغَرْ

هِيَ أُولَى الرُّؤَى بِفُؤَادِي قَبْلَمَا *** يَهْوِي الْهَوَى بَيْنَ الْحَنَايَا وَيَسْتَقِرْ

فَاقَ الْجَمَالُ بِحُسْنِهَا كُلَّ الْمُنَى *** وَغَدَا ضِيَاءً فِي الدُّجَى لِمَنْ نَظَرْ

****

لَمَّا خَشِيَ اللَّحْظَ مِنِّي انْـثَـنَى *** وَأَسْدَلَ فَوْقَ الْـمُحَيَّا الشَّعَرْ

أَسْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ *** وَأَنَا نِلْتُ نَصِيبِي مِنْ سِتَرْ

فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ إِلَهِي، فَقُلْـ *** ـتُ طَوْعاً لِرَبِّي: ثُمَّ كَفَفْتُ الْبَصَرْ

لَا لِضَعْفٍ، بَلْ لِخَوْفِي مِنْ مَقَاـ *** ـمٍ لَدَى رَبٍّ عَظِيْمٍ مُقْتَدِرْ

فِي غَضِّ طَرْفِكَ مَنْجَاةٌ، وَبِالـ *** ـعَفَافِ تَزْكُو حَمِيدَةُ السِّيَرْ

***

بِكْرُ الرُّؤَى حَلَّتْ بِقَلْبِي، وَلَكِنْ *** نَظْرَةٌ فِي الضُّلُوعِ تزيدُ الشَّرَرْ

خِـفْتُ أَنْ يَـسْتَبِيَ قَـلْبِي هَـوَاهَا *** فَالْهَوَى إِنْ تَمَادَى طَغَى وَاسْتَعَرْ

فَاحْتَمَيْتُ التُّقَى وَقَيَّدْتُ نَفْسِي *** إِنَّمَا النَّفْسُ إِنْ تُهْمَلْ تَغَرْ

إِذْ هَمَمْتَ بِذَنْبٍ جَنِّبِ النَّفْسَ *** عَنْ هَوَاهَا، بِالصَّبْرِ أَوْ بِالنَّصْرْ

رُبَّ نَظْرَةِ عَيْنٍ تَجُرُّ بَلَاءً *** فَالْعُيُونُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرْ


وقفة أدبية:

 وإذا كانت العفةُ هي لجامَ النفس عن الهوى، فإنَّ الوفاءَ بالعهود هو ميزانُ الرجولة

فما فائدةُ أن يغضَّ الإنسانُ بصره تقوىً

ثم يفتحَ باباً للعلاقات التي تضيعُ فيها الحقوقُ تحت مسمى (زواج المسيار)

إنَّ هذا الزواج قد يظنه البعضُ مخرجاً، لكنه في الحقيقة يبدأ بليالٍ وردية

 وينتهي بمرارةٍ صامتة وحقوقٍ منسيّة

وقصصٍ تُروى في أروقة المحاكم وخلف الأبواب المغلقة

هو وعدٌ ورديّ في أوله، ثم صمتٌ طويل وحقوقٌ تذوب في مهبّ الكتمان

وكأنني أردتُ بتلك العفة في قصيدتي أن أمهد للطريق الواضح الذي لا خفاء فيه

فالحبُّ الذي لا يحميه العلنُ والوفاء، تقتله الظنونُ والضياع

وفي هذا أقول تذييلاً لما سبق:

عَقَدوا المَوَدَّةَ في خَفـاءِ مَساكنٍ *** والحقُّ يَهوي في دُجى الكِتمانِ

بَدأَتْ لياليهمْ زُهـوراً غَضَّـةً *** والوعدُ ورديٌّ بـلا عُنــــــوانِ

حتى إذا مـالَ الزمانُ بِحِملِـهِ *** ذابَتْ حُقوقُ الأهلِ والخِــــلاّنِ

يا باحِثاً خلفَ الستارِ عنِ الهَنا *** هيهاتَ يُبنى الصّرحُ دونَ أمانِ

طهر العفة وعتمة الخفاء

وفي قراءة تحليلية لثنائية الستر بين طهر العفة وعتمة الخفاء

يتجلى في النص تضاد فني غائر العمق يعيد تشكيل مفهوم الستر في الوعي الإنساني

واضعاً إياه بين كفتين متقابلتين

ففي الكفة الأولى يبرز الستر كقيمة سامية وعفة للمآل

حيث ينبثق من الشطر الأول كدثار من الطهر والخصوصية تجسده عبارة (لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً)

وفي هذا الموضع يتواطأ الليل مع العفة ليخلق فضاءً من القداسة والجمال فليس الستر هنا إخفاءً لعيب

بل هو صون لجوهر ثمين لا يُبذل إلا في حماه

وعلى النقيض تماماً يبرز الستر في كفته الثانية كأداة للمراوغة وخيانة للحقوق في صورة مذمومة

تسعى للتنصل من الاستحقاقات الإنسانية وهو ما تترجمه عبارة (عقدوا المودة في خفاء)

إذ يتحول الستر في هذا السياق إلى رداء يغلف ضياع الحقوق وهضم الأمانات

فتصبح السرية وسيلة للهروب من المسؤوليات الاجتماعية والضوابط القانونية

أما البُعد الفلسفي لهذا التضاد فإن هذا التباين الحاد بين

1-     الستر المحمود الذي يحفظ الكرامة والتي رمزت لها بقولي: (لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً) هنا الستر كقيمة أخلاقية

2-     والستر المذموم الذي يهدر العدالة السلبي: (عقدوا المودة في خفاء) والستر هنا كأداة للتنصل من المسؤوليات الاجتماعية والقانونية

إن هذا التباين الحاد بين الستر المحمود (الذي يحفظ الكرامة) والستر المذموم (الذي يهدر العدالة)

يمنح النص أبعاداً نفسية واجتماعية متداخلة؛ فهو لا يكتفي بوصف الحالة

بل يغوص في المسافة الفاصلة بين (الخصوصية) التي تبني الإنسان

و(السرية) التي تهدم المجتمع

زواج المرايا

إن كان زواج المسيار قد استوطن مساحات الجدل الاجتماعي والقانوني

لكونه عقداً يقتاتُ على تنازل المرأة عن حقوقها الجوهرية في السكن والنفقة 

فإنه في حقيقته لم يكن إلا فاتحة لعهدٍ جديد من العلاقات الهشة

عهدٌ يكتفي من 'الميثاق الغليظ' بظلاله الباهتة، ويستعير من الشريعة صياغتها الظاهرة فقط

بينما يسقط من حساباته السكن والمودة كقيمٍ عليا وحقوقٍ أصيلة لا يستقيم البيت بدونها

ففي ثنايا مجتمعاتنا المعاصرة، تناسلت أشكالٌ مستحدثة من الزواج تقتفي أثر المسيار في دروب التنازل والسرية

لكنها تتدثر برداء الظروف الوقتية والحاجات العابرة

محولةً الرباط المقدس من مشروع حياةٍ مستدام إلى ترتيباتٍ مؤقتة تمليها الضرورة

وتفتقر إلى روح الاستقرار

أقنعةٌ لغاياتٍ شتى

لقد تفرعت عن شجرة الاستثناءات غصونٌ شائكة؛ فبرز زواج المسفار

 الذي يشدّ رحاله برحيل المغترب عن بلاد البعثة، ليغدو مجرد تحصينٍ مؤقتٍ مسقوفٍ بزمن الدراسة

تلاحقه نية الطلاق الخفية كغصةٍ تؤرق طهر الميثاق وتضعه في مهب الجدل

وعلى أرصفة الفصول، نبت زواج المصياف كزهرةٍ موسمية تزدهر مع وهج الإجازة وتذبل بانطفائها

يلفه ضباب السرية التي تحجب عن المرأة اعتراف المجتمع، وتترك حقوقها تذروها رياح الترحال

أما زواج الوناسة فهو المرفأ الذي ارتضاه الطرفان ليكون استراحة محارب لا دار بناء

حيث تخلع فيه الزوجة حقها الفطري في المعاشرة

لترتدي ثوب الرفيق والممرض لمسنٍّ يطارد طيف الأنس لا رغبة الإنجاب

وفي زوايا المدن الصاخبة، يتوارى زواج النهاريات والليليات

حيث يُرهن الميثاق الغليظ بساعاتٍ يمليها ضوء الشمس أو عتمة الليل

في لقاءاتٍ مبتورة تفتقد لسكينة المبيت الدائم، وتعجز عن جمع شتات الأسرة تحت سقف الاستقرار

حقوقٌ في مهب الريح

إن هذه الأنماط المستحدثة، وإن تدثرت بعباءة 'الحلول الظرفية

إلا أنها تظل زوايا معتمة في بنيان المجتمع، وثقوباً يتسرب منها جوهر الاستقرار

فبين مسفارٍ يفتقر إلى الجذور، ومصيافٍ يضيع الحقوق في متاهات السرية

ووناسةٍ يحيل الزوجة من شريكة حياة إلى مقدمة رعاية

تبرز الحقيقة المرة التي تتوارى خلف الأبواب المغلقة: أن الضحية الكبرى هم الأبناء

فخلف بريق هذه المسميات، تتوه الأنساب في دروب الإنكار، وتتفكك الروابط الأسرية العميقة قبل أن تشتد

ليتحول الرباط الذي وصفه الخالق بـ الميثاق الغليظ إلى مجرد عقد خدمة

أو تصريح مرور لغاياتٍ محدودة الأجل إنها زيجاتٌ تكتفي من الشرع برسمه وظاهره

لكنها تترك خلفها روح الزواج الذي شُرع ليكون وطناً مستقراً وملاذاً آمناً

لا مجرد محطة انتظار عابرة في قطار العمر

ميزان العدالة وتبعات الغياب

لا تقف خطورة هذه الزيجات عند حدود المسميات، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الفردي والمجتمعي

فمن المنظور القانوني، لا يعتد القضاء بالألقاب (مسياراً كانت أم وناسة)

بل يرتكز على أركان العقد وشروطه؛ فما دامت الأركان مستوفاة والتوثيق رسمياً

يظل الزواج قائماً، وتظل حقوق المرأة وإن تنازلت عنها مؤقتاً قابلة للاسترداد أمام القضاء

إذ إن الحق في النفقة والسكن يتجدد بتجدد الأيام ولا يسقط بالتقادم

بيد أن العقدة الكبرى تكمن في الزيجات (السرية) أو غير الموثقة

حيث تضيع الحقوق في دهاليز إثبات النسب، ويواجه الأبناء مستقبلاً مجهولاً بلا أوراق ثبوتية

وتُحرم الزوجة من حق الميراث لغياب الحجة الرسمية

أما اجتماعياً، فإن هذه "الحلول المؤقتة" تفرز ندوباً مستدامة

فهي تزعزع مفهوم السكن الروحي وتحيله إلى لقاءات عابرة

وتضع الزوجة تحت وطأة الوصمة الاجتماعية والسرية، مما يجعلها عرضة للاستغلال المادي أو المعنوي

إن الضريبة الباهظة لهذه الاختيارات لا يدفعها الزوجان فحسب

بل يتجرع مرارتها الأبناء الذين يجدون أنفسهم في بيئة هشة، ضحايا لنكران الأب أو تشتت الانتماء

ختامًا
قد تبدو هذه الزيجات في ظاهرها مخرجًا اضطراريًا تفرضه بعض الظروف الاجتماعية

كالعنوسة أو الحاجة إلى الرفقة

غير أن ما يُتصوَّر حلًا لمواجهة تحديات الحياة أو بحثًا عن السكينة

لا يكون في حقيقته إلا مدخلًا لإشكالات أعمق وأكثر تعقيدًا

فالواقع يثبت أن أثمانها القانونية والاجتماعية باهظة

وتلقي بظلالها القاسية في المقام الأول على الحلقة الأضعف؛ المرأة والأطفال

الذين يدفعون الثمن الأكبر على حساب استقرارهم وأمان مستقبلهم

ويبقى الزواج التقليدي هو الملاذ الذي يحمي الكرامة

وما دونه ليس إلا مرايا خادعة قد تلمع في البداية، لكنها تنكسر عند أول اختبار للحقوق

orent

أبو عبد العزيز

 




الخميس، 1 يناير 2026

طبيبةُ قلبٍ

 


طبيبة قلب

قالوا: أَتَزَوَّجتَ؟ قلتُ: نَعَمْ وبِنِعْمَةٍ *** ثَيِّبَةٌ رَفَعَ الإِحسانُ منها الشَّانُ

حَدِيثُهَا إِنْ سَرَى فِي السَّمْعِ أَضْرَمَنِي *** شَوْقًا، وَأَيْقَظَ فِي الْأَحْشَاءِ أَشْجَانُ

وَإِنْ تَكَلَّمَتْ أَتَتْ أَلْفَاظُهَا خَاشِعَةً *** كَأَنَّ صَوْتَ الْهُدَى مِنْهَا بَيَانُ

سِحْرُ الْحَدِيثِ، وَلَحْظُ الْعَيْنِ إِنْ نَظَرَتْ *** سَهْمٌ يُصِيبُ الْفُؤَادَ دُونَ سِنَانُ

تُحَادِثُ الصَّمْتَ، وَالصَّمْتُ اسْتَجَابَ لَهَا *** فَيَنْطِقُ الْحُسْنُ بِالْفَهْمِ وَالْوِجْدَانُ

✦✦✦

وَفِي جِيدِهَا عِقْدٌ مِنَ الْمَعْنَى تَأَلَّقَ فِي *** شِفَاءِ رُوحٍ، وَلَيْسَ الزُّخْرُفُ الْفَانِي

طَبِيبَةُ الْقَلْبِ لَا تَشْفِي بِجَارِحَةٍ *** وَلَكِنْ بِنُورِ طُهْرٍ صَادِقِ الْإِحْسَانِ

بَيْضَاءُ خِدْرٍ إِذَا مَا رُمْتَ قُرْبَتَهَا *** عَادَ الرَّجَاءُ خَجُولًا وَهْوَ خُسْرَانِ

لُؤْلُؤَةٌ صَانَهَا سِتْرُ الْفَضَائِلِ فِي *** حِرْزٍ، وَلَمْ تُبْتَذَلْ يَوْمًا بِمَرْجَانِ

دُرَّةُ بَحْرٍ حَمَاهَا أَهْلُهَا أَدَبًا *** فَاسْتَوْثَقَ الْحُسْنُ بِالْآدَابِ أَرْكَانِ

✦✦✦

لَا تَنَامُ، وَإِنْ نَامَتْ عُيُونُ سُكُونِهَا *** تَظَلُّ عَوَاطِفُهَا سُهْدًا عَلَى الْمَكَانُ (1)

قُوَّتُهَا فِي رِقَّةٍ، وَتَسُودُ لُطْفًا *** وَسُلْطَانُهَا مَعْنًى يُوَلِّدُ إِنْسَانُ (2)

تَصَالَحَتِ النَّفْسُ مَعَ العُمْرِ رِضْوَانًا *** فَبَانَتْ لَهَا الخَبَايَا وَالأَمْرُ بَيَّانُ (3)

وَعَرَفَتْ خَبَايَا ذَاتِهَا (4) حِينَ أَقْبَلَتْ *** عَلَى الصِّدْقِ، لَا خَوْفٌ هُنَاكَ وَلَا كِتْمَانُ

فَصَارَتْ إِذَا مَا اشْتَدَّ لَيْلُ زَمَانِهَا *** ضِيَاءً يُبَدِّدُ فِي الدُّجَى الْحِرْمَانُ

✦✦✦

نَضِجَتْ، وَمَا نَالَ الزَّمَانُ بَرَاءَتَهَا *** بَلْ زَادَهَا صَوْنًا، وَزَادَهَا صِيَانُ

مَا مَسَّهَا نَقْصُ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا *** كَمُلَتْ، كَمَا يَكْمُلُ الْإِيمَانُ إِيمَانُ

هِيَ لَمْ تُؤَخَّرْ، بَلْ تَرَفَّعَ قَدْرُهَا *** حَتَّى غَدَتْ مَعْنًى يُسَمَّى: الْأَمَانُ

فَاخْتَرْتُهَا، لَا لِأَنَّ الدَّرْبَ أَقْرَبُهَا *** بَلْ لِأَنَّ فِي عَيْنَيْهَا وَطَنًا وَاطْمِئْنَانُ

فَغَدَتْ إِذَا مَا خَانَ دَرْبُ الْعُمْرِ سَالِكَهُ *** تَمْشِي بِثَابِتِ عَقْلٍ، وَاثِقِ الْجَنَانُ

✦✦✦

قَالُوا: إِنَّهَا نِصْفُ (5) الْعُمُرِ قَدْ طَابَتْ بِهِ *** فَقُلْتُ: مَضَى الشَّبَابُ، وَبَقَّى الإِحْسَانُ

جَعَلَتْ شَبَابَهَا خَلْفَ الظُّهُورِ وَمَضَتْ *** أَمَامَهَا، وَلَمْ تَلْتَفِتْ لِمَاضِي الزَّمَانُ

رَأَتْ أَنَّ فَضْلَ الْمَرْءِ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ *** وَلَكِنْ بِمَا يُعْطِي، وَيَزْرَعُ فِي الْجِنَانُ

إِذَا رَاحَ عُمْرُ اللَّهْوِ، جَاءَ وَقَارُهَا *** فَصَارَ الْوَقَارُ وِسَامَ كُلِّ أَمَانُ

تَمْشِي، وَفِي كَفِّ الْأَيَّامِ حِكْمَتُهَا *** لَا تَنْحَنِي، مَا دَامَ فِيهَا اطْمِئْنَانُ

✦✦✦

كَرِيمَةُ خُلُقٍ، بَاسِقَةُ الْمَجْدِ شَامِخٌ *** مَقَامُهَا، وَالْفَضْلُ فِيهَا لَهُ شَانُ

كَامِلَةُ الْأُنُوثَةِ، لَا ابْتِذَالَ بِهَا، وَقَدْ *** تَحَلَّتْ بِإِيمَانٍ، فَزَادَهَا إِيمَانُ

عَبْقَرِيَّةُ الْفِكْرِ، الْإِحْسَاسُ جَوْهَرُهُ *** وَقَلْبٌ حَنُونٌ، وَاثِقٌ لَا يُدَانُ

سِحْرُ الصَّمْتِ فِيهَا، مِنْهُ يُولَدُ فِكْرُهَا *** وَفِي الصَّمْتِ إِبْدَاعٌ يُفِيضُ بَيَانُ

نُضُوجُ السِّنِينَ اسْتَعْلَنَتْ حِكْمَتُهُ *** فَلَيْسَتْ تُنَقِّصُهَا الْأَعْمَارُ، بَلْ تُصَانُ

✦✦✦

يَقُولُونَ: نَقْصُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَصْفُهَا (6) *** فَقُلْتُ: وَهَلْ فِي وَعْيِهَا ذَاكَ نُقْصَانُ؟

إِذَا قَاسُوا بِعُرْفِ الْقَوْمِ عَقْلًا وَدِينَهُ *** فَعَقْلُهَا فِكْرٌ، وَدِينُهَا إِيمَانُ

يَنْبُوعُ حُبٍّ لَمْ تَبْخَلْ عَلَيَّ بِنَفِيسِهِ *** ثَمِينَةُ قَدْرٍ لَا تُقَاسُ بِأَثْمَانُ

تُجِيدُ اخْتِيَارَ الصَّمْتِ حِينَ كَلَامُهَا *** وَتُفْصِحُ إِنْ عَزَّ الْكَلَامُ لِسَانُ

وَإِنْ تَكَلَّمَتْ أَتَتْ أَلْفَاظُهَا خَاشِعَةً *** كَأَنَّ صَوْتَ الْهُدَى مِنْهَا بَيَانُ

تَجَارِبُ عُمْرٍ صَاغَهَا الصَّبْرُ حِكْمَةً *** فَصَارَ الْوَقَارُ لَهَا أَجَلَّ عُنْوَانُ

✦✦✦

قالوا: أَلَا تَخْتَارُ صِغْرًا (7) يُعِيدُ لَكَ *** صَدَى الْمَاضِي؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ يُعَادُ زَمَانُ

صِغَارُ السِّنِّ أَحْلَامٌ تُجَدِّدُ كُلَّ يَوْمٍ *** وَلِي فِي الْعُمْرِ تَجْرِيبٌ لَهُ شُعَبٌ وَأَلْوَانُ

وَمَنْ يَبْتَغِي بِتَجْدِيدِ الزِّوَاجِ شَبَابَهُ *** فَقُلْ: إِنَّ الشَّبَابَ مَضَى، وَلَنْ يُسْتَرْجَعَ آنُ

رَأَيْتُ الْحُبَّ عِنْدَ الْكِبَرِ أَسْمَى نُضْجِهِ *** فَحُبُّ الْكِبَارِ يَسْمُو عَقْلًا وَإِيمَانُ

وَمَنْ يَعْشَقْ بِكِبَرِ السِّنِّ يَمْنَحْ دُونَمَا *** حِسَابٍ، وَيَطْوِي مَا مَضَى نِسْيَانُ

✦✦✦

قَالُوا: وَمَا لَاقَيْتَ مِنْهَا؟ فَقُلْتُ مُبْتَسِمًا *** لَقِيتُ صَفَاءَ الْوُدِّ وَالْعِرْفَانِ

وَفِيهَا مِنَ الشَّوْقِ الْمُتَيَّمِ صَبْوَةٌ *** وَعَطْفٌ جَرَى فِي الْقَلْبِ جَرْيَ الشِّرْيَانِ

وَمَا زَادَ قَلْبِي غَيْرُ قُرْبِهَا ثِقَةً *** فَصِرْتُ مَعَ الأَيَّامِ فِي اطْمِئْنَانِ

هِيَ الثَّيِّبُ قَدْ حَازَتْ مَحَاسِنَ جَمَّةً *** وَزَادَتْ بِطِيبِ الْقَوْلِ رَفْعَ شَأْنِي

رَأَيْتُ بِهَا نُورَ الْحَيَاةِ وَأُنْسَهَا *** فَأَذْهَبَ بُسْمُ ثَغْرِهَا كُلَّ أَحْزَانِي

✦✦✦

نُؤمِّلُ في الدُّنيا طِوالًا وإنَّما *** طريقُ العُمرِ مهما طالَ ثَواني

تمضي الشُّهورُ علينا وهي راكِضةٌ *** كأنَّما الشَّهرُ في أعمارِنا يَومانِ

فما الدَّهرُ إلّا رِحلةٌ نقطعُ المدى *** وما الفضلُ إلّا ما رأتهُ العَينانِ

ولو مَنَّ ربُّ الورى للشيخِ بِخِلفةٍ *** لرأيتَهُ فرِحًا كأنَّ العُمرَ عادَ ثانِ

هُمُ الذُّخرُ للإنسانِ بعدَ رحيلِه *** وهم لِفؤادِ المرءِ نَبضُ جِنانِ

 

1-     المرأةَ تبقي عاطفتها ساهرة أنها لا تعرف النوم الحقيقي؛ فحتى إن أغمضت عيناها وسكنت جوارحها، فإن عاطفتها تظلُّ يقِظةً لا تهدأ، تسهر على من تحبّ وعلى المكان الذي تنتمي إليه. فهي أسيرةُ إحساسها، تحكمها العاطفة قبل العقل، وتوجّه أفعالها بدافع الرحمة والحنان لا بمنطق التفكير المجرّد

ولهذا نراها تسهر بجوار أبنائها إذا ألمَّ بهم المرض، وتظل يقِظةً قرب زوجها إذا اشتكى أو تألّم، فتنسى راحتها وتقدّم غيرها على نفسها. وفي سائر شؤونها الوجدانية، تتصرّف بما يمليه قلبها الصادق، فتبقى عواطفها سُهدًا لا تنام، حارسةً للحب والرعاية والاحتواء.

2-     للمرأة قوّةَ لا تضأها ومن أبهى صورها، فهي قوّةٌ لا تقوم على القسوة أو البطش، بل تنبع من رقّتها، وتسود بلطفها والسيادة ليست بقوة البطش انما بالكلمة الحانية والابتسامة والرقة والحنان وحسن تبعلها لزوجها وتسمو بلطفها، فتغدو السيادةُ فيها رحمةً لا تسلّطًا إن نفوذها الحقيقي ليس سلطانَ سيفٍ ولا أمرٍ، وإنما سلطانُ معنى، يتجلّى في أعظم فعلٍ إنسانيّ، وهو ولادةُ الإنسان فالمرأة هي المنبع الأول للحياة، وهي التي تحتمل مشقّة الحمل، وتعاني آلام المخاض، وتذوق من العناء ما يعجز الرجل عن تصوّره. ومن رحمها يخرج الإنسان إلى الوجود، فتكون هي الأصل الأعمق في تكوينه جسدًا وروحًا، وأكثر أثرًا فيه من أيّ سلطانٍ آخر وحين يكبر هذا الطفل، يبقى خاضعًا لسلطان أمّه؛ فهي التي تسوسه بالحب، وتربّيه بالرعاية، وتُقوّم سلوكه بالحكمة والعاطفة، فيغدو سلطانها لطفًا، وقوّتها رحمة، وسيادتها صناعةَ إنسانٍ صالح

3-     متصالحة مع نفسها وعمرها: أي انها تشعر بتوافق تام مع نفسها وتعيش في هدوء وراحة بال
ولم تعش حياة الاضطراب والقلق والخصام مع النفس

4-     عرفت خبايا ذاتها: أي عرفت ما تخبئه نفسها من امور حياتها السيء والجميل واستطاعت ان تتكيف مع نفسها بالشكل الصحيح مرة أخرى

5-     قالوا انها نصف: أي انها في منتصف عمرها وولى شبابها فما يرجى منها بعد هذا السن

6-     جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن هذا الحديث ليس فيه إهانة للمرأة أو التقليل من قدرها وشأنها انما بين طبيعة المرأة من حيث التكوين التي تغلب عليها عاطفتها التي تناسب مهمتها في الحياة وهذا النقصان الذي في ظاهره انه نقصان لكن حقيقته انه ليس فيه نقصان وهذا ليس عيبا انما ميزة للمرأة لتناسب مهمتها في الحياة ولا يعني طعناً في فكر المرأة وذكائها وقد ورد في السير كثيراً من التراجم للنساء المسلمات مما يدل على رجاحة عقلوهن وحسن تصرفهن كما حصل مع ام سلمة في توقيع صلح الحديبة الذي جعل في هذا الصلح فتح مكة حيث أشارت ام سلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشهورة اخذ بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم

ان من يتزوج من كبار السن بصغيرة حرصاً منه ان يظهر امام الاخرين انه لايزال شاباً تعود لعوامل نفسية افتقدوها في زواجهم الأول أما من يتزوج من امرأة قريبة من عمره مبرراً زواجه منها لكي تؤنس وحدته وترعى شئونه وتقضي احتياجاته فلا بأس ومن تجارب ممن تزوجن من ازواج قريبة أعمارهم من بعض وجدن السعادة والمودة خصوصاً ان الرجل في سن الخمسين او الستين ممن يملك الذكاء وروح الشباب فأن هذه الصفاة تسهم في نجاح الزواج


قالوا: أَتَزَوَّجتَ؟ قلتُ: نَعَمْ وبِنِعْمَةٍ *** ثَيِّبَةٌ رَفَعَ الإِحسانُ منها الشَّانُ

حَدِيثُهَا إِنْ سَرَى فِي السَّمْعِ أَضْرَمَنِي *** شَوْقًا، وَأَيْقَظَ فِي الْأَحْشَاءِ أَشْجَانُ

وَإِنْ تَكَلَّمَتْ أَتَتْ أَلْفَاظُهَا خَاشِعَةً *** كَأَنَّ صَوْتَ الْهُدَى مِنْهَا بَيَانُ

سِحْرُ الْحَدِيثِ، وَلَحْظُ الْعَيْنِ إِنْ نَظَرَتْ *** سَهْمٌ يُصِيبُ الْفُؤَادَ دُونَ سِنَانُ

تُحَادِثُ الصَّمْتَ، وَالصَّمْتُ اسْتَجَابَ لَهَا *** فَيَنْطِقُ الْحُسْنُ بِالْفَهْمِ وَالْوِجْدَانُ

 

تصور هذه الابيات ما أجتمع في هذه المرأة من سموّ الخُلُق ورقّة الروح وفتنة الحضور

وإن الزواج من هذه المرأة ينفي انتقاصها من كونها ثيّبًا

وأنّ قيمتها الحقيقية تكمن في رفعة قدرها وكثرة خيرها وإحسانها

ثم الانتقال إلى أثر حديثها فأصوره نارًا من الشوق تُشعل القلب

وأحزانًا دفينة توقظ المشاعر وتحرّك الوجدان.

 إن هذه المرأة حين تتكلم لا تكون كلماتها عادية

بل تأتي متّسمة بالخشوع والسكينة حتى ليبدو صوتها كأنه نداء هداية وإرشاد

فيجعل من حديثها سحرًا، ومن نظراتها سهامًا تصيب القلب مباشرة بلا واسطة

في دلالة على شدّة التعلّق وعمق الأثر

ويبلغ الوصف ذروته حين يمنح الصمت حياةً ناطقة

فتصبح المرأة قادرة على مخاطبة السكون ذاته فيستجيب لها

وينطق الجمال من خلالها فهمًا وشعورًا

وكأن حضورها وحده كافٍ ليعبّر عمّا تعجز عنه الكلمات

فيتجلّى فيها اكتمال الحسن ظاهرًا وباطنًا

 

وَفِي جِيدِهَا عِقْدٌ مِنَ الْمَعْنَى تَأَلَّقَ فِي *** شِفَاءِ رُوحٍ، وَلَيْسَ الزُّخْرُفُ الْفَانِي

طَبِيبَةُ الْقَلْبِ لَا تَشْفِي بِجَارِحَةٍ *** وَلَكِنْ بِنُورِ طُهْرٍ صَادِقِ الْإِحْسَانِ

بَيْضَاءُ خِدْرٍ إِذَا مَا رُمْتَ قُرْبَتَهَا *** عَادَ الرَّجَاءُ خَجُولًا وَهْوَ خُسْرَانِ

لُؤْلُؤَةٌ صَانَهَا سِتْرُ الْفَضَائِلِ فِي *** حِرْزٍ، وَلَمْ تُبْتَذَلْ يَوْمًا بِمَرْجَانِ

دُرَّةُ بَحْرٍ حَمَاهَا أَهْلُهَا أَدَبًا *** فَاسْتَوْثَقَ الْحُسْنُ بِالْآدَابِ أَرْكَانِ

 

أشبّه في هذه الابيات ما تحمله هذه المرأة في عنقها

بـ عقدٍ ليس من ذهب أو زينة، بل من المعاني السامية

فجمالها الحقيقي ليس مظهرًا زائلًا، بل جمالٌ يشفي الأرواح ويمنح الطمأنينة

على عكس الزخرف الدنيوي الذي يزول

هنا مقابلة بين المعنى الروحي الخالد والزينة الفانية

وفي ابيات أخرى أشبهها بـ طبيبة القلوب

لكنها لا تعالج بالأدوات أو الجسد،

بل تشفي الناس بطهارتها وأخلاقها وإحسانها الصادق الشفاء هنا معنوي:

باللطف، والصدق، والنقاء

ثم أصف عفّتها وشدّة صونها؛ فهي محفوظة في خدرها أي: مصونة بعفافها

ومن يحاول الاقتراب منها بغير حق، يخيب أمله ويعود خجولًا مهزومًا

يدلّ البيت على العزّة والسمو ورفض الابتذال

ثم أشبّهها بـ لؤلؤة ثمينة، محفوظة بستار الفضائل والأخلاق

لم تُعرض أو تُستبدل بزينة رخيصة مهما كانت جميلة كالمرجان

وهذا التشبيه بليغ يربط القيمة بالعفاف لا بالمظهر

فأرجع هذا الجمال المصون إلى تربية أهلها وأدبهم

فجمالها لم يكن شكليًا فقط، بل ثابتًا راسخًا بالأخلاق

أُأكدُ أن الأدب والأخلاق هو الحارس الحقيقي للجمال

وفي هذه المرأة يجتمع فيها الجمال الخُلقي والروحي

وترفض اختزالها في الزينة والمظهر

وتؤكد أن العفّة والأدب والطهر هي أصل الجمال الحقيقي والدائم

 

لَا تَنَامُ، وَإِنْ نَامَتْ عُيُونُ سُكُونِهَا *** تَظَلُّ عَوَاطِفُهَا سُهْدًا عَلَى الْمَكَانُ

قُوَّتُهَا فِي رِقَّةٍ، وَتَسُودُ لُطْفًا *** وَسُلْطَانُهَا مَعْنًى يُوَلِّدُ إِنْسَانُ

تَصَالَحَتِ النَّفْسُ مَعَ العُمْرِ رِضْوَانًا *** فَبَانَتْ لَهَا الخَبَايَا وَالأَمْرُ بَيَّانُ

وَعَرَفَتْ خَبَايَا ذَاتِهَا حِينَ أَقْبَلَتْ *** عَلَى الصِّدْقِ، لَا خَوْفٌ هُنَاكَ وَلَا كِتْمَانُ

فَصَارَتْ إِذَا مَا اشْتَدَّ لَيْلُ زَمَانِهَا *** ضِيَاءً يُبَدِّدُ فِي الدُّجَى الْحِرْمَانُ

 

في هذا البيت استعارة مكنية في قولي:

(تنام عيون سكونها (أشبّه السكون بإنسان له عيون تنام

وحذف المشبَّه به وهو (الإنسان) وأبقيت على شيء من لوازمه وهي (العيون (

ثم أذكر أن شخصية هذه المرأة يقِظة الشعور دائمًا

فحتى حين يهدأ ظاهرها وتغفو عيناها

تبقى عواطفها مستيقظة تحسّ بالمكان والناس من حولها النوم هنا جسدي

أمّا السهر فوجداني وأن مصدر قوّتها ليس القسوة أو الغلبة

بل الرقة واللطف، فهي تسود القلوب لا بالأذى

وسلطانها الحقيقي هو إنسانيتها الصادقة التي تُحيي المعاني النبيلة في الآخرين

قلبٌ رحيم أقوى من اليد الغليظة

وعندما تصالحت مع عمرها وقبلت مسار حياتها برضا

استطاعت أن ترى أعماق نفسها بوضوحٍ جديد

كأنها تنظر إليها بعين ثانية أعمق من السابقة فالرضا مفتاح معرفة الذات

ولم تصل إلى هذه المعرفة إلا حين واجهت نفسها بالصدق الكامل

دون خوف من الحقيقة، ودون إخفاء أو إنكار وعلمت أن الصدق مع النفس شرط النضج

وبعد هذا النضج الروحي، أصبحت نورًا لذاتها ولغيرها

فكلما اشتدت ظلمات الحياة، كانت هي مصدر ضوءٍ يبدد الحرمان واليأس

الإنسان الناضج يصنع النور من داخله

وتصوّر هذه الابيات رحلة إنسانية داخلية من اليقظة الشعورية

إلى القوة الهادئة، ثم إلى الصدق مع الذات

حتى بلوغ مرحلة النور الداخلي القادر على مواجهة ظلام الحياة

وقولي) تسود لطفً (أصوّر اللطف بسلطة تُمارس الحكم

وجرت العادة أن تُقابل القوة بالخشونة، فجاء التضاد ليعمّق المعنى

واستعارة في (تسود لطفًا (صوّر اللطف بسلطة تُمارس الحكم

أما التشخيص المعنوي في (سلطانها معنى (في جعل المعنى شيئًا ملموسًا يملك سلطانًا

أي جعل المعنى شيئًا ملموسًا يملك سلطانًا

أما الدلالة فأقدّم مفهومًا جديدًا للقوة، قوامه الإنسانية لا البطش

ثم أقدم مفهومًا جديدًا للقوة، قوامه الإنسانية لا البطش

وأختِمُ هذه الأبيات بصورةٍ ضوئيةٍ قوية، تُلخّص رحلةَ التحوّل من الوعي إلى النور

وتقوم الرؤية البلاغية العامة لهذه الأبيات على جملةٍ من المرتكزات

في مقدّمتها التشخيص والتجسيد بوصفهما أداةً لإحياء المعاني المجردة

إلى جانب التضاد القائم بين (النور/الظلام) و(القوة/الرقة) بما يعمّق التوتر الدلالي داخل النص

كما تعتمد الأبيات على الانتقال من الداخل النفسي إلى الأثر الخارجي المتمثّل في النور

في مسارٍ تصاعدي يجعل الذات الإنسانية منبع الإشراق والمعنى

واُعزَّز هذا المسار بمقابلةٍ دلالية بين النوم الجسدي واليقظة الشعورية

بما يؤكد عمق الإحساس واستمرار الوعي حتى في لحظات السكون

ويأتي هذا كلّه في إطار نموذج الشعر الوجداني الحديث الذي يجعل الإنسان محور البلاغة والمعنى

 

نَضِجَتْ، وَمَا نَالَ الزَّمَانُ بَرَاءَتَهَا *** بَلْ زَادَهَا صَوْنًا، وَزَادَهَا صِيَانُ

مَا مَسَّهَا نَقْصُ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا *** كَمُلَتْ، كَمَا يَكْمُلُ الْإِيمَانُ إِيمَانُ

هِيَ لَمْ تُؤَخَّرْ، بَلْ تَرَفَّعَ قَدْرُهَا *** حَتَّى غَدَتْ مَعْنًى يُسَمَّى: الْأَمَانُ

فَاخْتَرْتُهَا، لَا لِأَنَّ الدَّرْبَ أَقْرَبُهَا *** بَلْ لِأَنَّ فِي عَيْنَيْهَا وَطَنًا وَاطْمِئْنَانُ

فَغَدَتْ إِذَا مَا خَانَ دَرْبُ الْعُمْرِ سَالِكَهُ *** تَمْشِي بِثَابِتِ عَقْلٍ، وَاثِقِ الْجَنَانُ

 

 

نضجتْ كما تنضج الأحلامُ الصافية، دون أن تنالَ منها يدُ الزمان

كأنّ الزمن لم يكن عابرًا في حياتها، بل حارسًا أمينًا

يُحيط صفاءها بعنايته ولا يجرؤ على كسره

مرّ بها الزمنُ فلم يثلم ملامحها، بل أودعها وقارًا

يجعل الحضور أعمق، ويجعل المعنى أثبت

كأنّ السنين كانت دروسًا في الصون لا محاولاتٍ للانتقاص

لم تمسّها الأعوام بوهن، بل أتمّت حضورها كما يكتمل الإيمان في القلب:

رسوخًا بعد يقين، وهدوءًا لا يطلب برهانًا

لم تتأخّر عن موضعها، بل ارتفع قدرها حتى غدت معنى يُستحضَر كلما ذُكر الأمان

وطمأنينةً تُنادَى حين يضيق العالم

مرّت بها الأعوام فلم تترك على ملامحها سوى الوقار

ولم يكن الزمن خصمًا لها، بل شريكًا في اكتمالها صقلها دون أن ينتقص

وحفظها دون أن يقيّد وعلّمها كيف تزداد صفاءً كلما طال العمر

لم أختَرْها لقرب المسافة، بل لأنّ الاختيار في جوهره بحثٌ عن معنى

عن وطنٍ يقيم في العيون قبل أن تسكنه الخرائط

وطنٍ يصير شعورًا لا مكانًا، وحضنًا يتّسع للتعب وطمأنينةً تسبق العين إلى الروح

وإذا ما خانت الدروبُ سالكيها، مضت بثبات العقل وطمأنينة القلب

تمشي الحياة لا لأن الطريق واضح، بل لأنها تعرف ذاتها

ومن عرف ذاته لا تُضلّه المسارات تمضي غير متردّدة

عارفةً بوجهتها مطمئنة إلى قلبٍ يدرك أنّ الحبّ حين يصدق

لا يتيه ولا تخونه الطرق

لم تنقصها السنين، بل أتمّت حضورها في القلب

فالكمال لا يُقاس بعدد الأعوام، بل بعمق ما تُراكِم الروح من وعي

كما يكتمل الإيمان حين يُحبّ دون خوف

لم تتأخّر عن الحياة، بل ارتفع شأنها حتى صارت الأمان إذا نُودي، والطمأنينة إذا ابتُغيت

اخترتها زوجةً، لأن الإيمان فيها لم يكن لحظة شعور

بل يقينًا مقيمًا… يشبه الحب حين يطمئن ولا يرحل

وحين يتحوّل الإيمان فيها من إحساسٍ عابر إلى يقينٍ مقيم

 

قَالُوا: إِنَّهَا نِصْفُ الْعُمُرِ قَدْ طَابَتْ بِهِ *** فَقُلْتُ: مَضَى الشَّبَابُ، وَبَقَّى الإِحْسَانُ

جَعَلَتْ شَبَابَهَا خَلْفَ الظُّهُورِ وَمَضَتْ *** أَمَامَهَا، وَلَمْ تَلْتَفِتْ لِمَاضِي الزَّمَانُ

رَأَتْ أَنَّ فَضْلَ الْمَرْءِ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ *** وَلَكِنْ بِمَا يُعْطِي، وَيَزْرَعُ فِي الْجِنَانُ

إِذَا رَاحَ عُمْرُ اللَّهْوِ، جَاءَ وَقَارُهَا *** فَصَارَ الْوَقَارُ وِسَامَ كُلِّ أَمَانُ

تَمْشِي، وَفِي كَفِّ الْأَيَّامِ حِكْمَتُهَا *** لَا تَنْحَنِي، مَا دَامَ فِيهَا اطْمِئْنَانُ

 

قالوا: إنّها بلغت نصف العمر، كأنّ الزمن يُنقِص من المعنى حين يتقدّم

فقلتُ: بل مضى ضجيج الشباب، وبقي الإحسان ناضجًا، واقفًا في القلب كحقيقة لا تشيخ

وتركت شبابها خلفها لا خيانةً له، بل وعيًا بأنّ ما يُستنزف لا يُحمل

ومضت أمام ذاتها غير ملتفته لماضٍ أدّى دوره وانسحب بهدوء

أدركتْ أنّ فضل الإنسان ليس في فتنة العابر ولا في بهرجٍ يلمع ثم يخبو

بل فيما يمنحه، وفيما يزرعه في القلوب دون انتظار موسمٍ أو حصاد

وحين انقضى عمر اللهو، لم تأتِ الخسارة، بل جاء الوقار هادئًا، راسخًا

كوسامٍ لا يُعلَّق على الصدور، بل يُرى في السكينة، ويُعرَف عند الحاجة إلى الأمان

تمشي، وفي كفّ الأيام حكمتها لا تنحني لأنّ في داخلها ما هو أثبت من الريح

وما دام الاطمئنان يسكنها، لا تملك الطرقُ أن تُربك خطوها

 

كَرِيمَةُ خُلُقٍ، بَاسِقَةُ الْمَجْدِ شَامِخٌ *** مَقَامُهَا، وَالْفَضْلُ فِيهَا لَهُ شَانُ

كَامِلَةُ الْأُنُوثَةِ، لَا ابْتِذَالَ بِهَا، وَقَدْ *** تَحَلَّتْ بِإِيمَانٍ، فَزَادَهَا إِيمَانُ

عَبْقَرِيَّةُ الْفِكْرِ، الْإِحْسَاسُ جَوْهَرُهُ *** وَقَلْبٌ حَنُونٌ، وَاثِقٌ لَا يُدَانُ

سِحْرُ الصَّمْتِ فِيهَا، مِنْهُ يُولَدُ فِكْرُهَا *** وَفِي الصَّمْتِ إِبْدَاعٌ يُفِيضُ بَيَانُ

نُضُوجُ السِّنِينَ اسْتَعْلَنَتْ حِكْمَتُهُ *** فَلَيْسَتْ تُنَقِّصُهَا الْأَعْمَارُ، بَلْ تُصَانُ

 

كريمةُ الخُلُق ليست صفةً تُقال، بل حالةُ معنى تتجسّد حتى يغدو الجسد هيئةَ وجود

أنوثتها اكتمالٌ هادئ، لا يستجدي النظر ولا يعرف الابتذال

 محروسةٌ بإيمانٍ لا يُضاف إليها، بل يتجدّد فيها كأنّ الخُلُقَ والسجيّةَ أصلُها الأوّل

ينبُتان فيها كما النورُ في الفجر، لا يُستعاران ولا يُكتسبان، بل يُولدان

وليس طارئان عليها، بل جوهرُها الخالد وكأن المجد لم يعلُ بها، بل انبثق منها

تقيم في العلوّ بلا سعي، لأن السموّ حين يكون جوهريًا لا يحتاج إلى إعلان

فكرُها عبقريّ لأنه ينصت قبل أن يتكلّم، وإحساسُها شفافيةٌ ترى ما يتخفّى، وقلبُها حنونٌ بثقةٍ لا تُدان

في صمتها سرّ الخلق؛ هناك، في المسافة بين النبض والكلمة، يتشكّل المعنى ناضجًا

ويخرج الإبداع هادئًا، لا صاخبًا، بل مُقنعًا، كفيضٍ يفيض دون ادّعاء

والسنون لم تمرّ بها لتُنقصها، بل مرّت فيها لتصونها؛ نضجٌ لا يشيخ، وحكمةٌ لا تثقل

بل تُعمّق الحضور حتى يغدو العمر حالةَ فهمٍ لا عددًا من السنوات

وحضورًا لا زمنًا. حنانها ليس ضعفًا، بل شجاعةُ وعيٍ يختار اللين

وثقتها لا تُقاس بالآخرين بل بذاتها حين تكون كاملةً في حضورها 

مرآتها الوحيدة وتمامها الصامت


يَقُولُونَ: نَقْصُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَصْفُهَا *** فَقُلْتُ: وَهَلْ فِي وَعْيِهَا ذَاكَ نُقْصَانُ؟

إِذَا قَاسُوا بِعُرْفِ الْقَوْمِ عَقْلًا وَدِينَهُ *** فَعَقْلُهَا فِكْرٌ، وَدِينُهَا إِيمَانُ

يَنْبُوعُ حُبٍّ لَمْ تَبْخَلْ عَلَيَّ بِنَفِيسِهِ *** ثَمِينَةُ قَدْرٍ لَا تُقَاسُ بِأَثْمَانُ

تُجِيدُ اخْتِيَارَ الصَّمْتِ حِينَ كَلَامُهَا *** وَتُفْصِحُ إِنْ عَزَّ الْكَلَامُ لِسَانُ

وَإِنْ تَكَلَّمَتْ أَتَتْ أَلْفَاظُهَا خَاشِعَةً *** كَأَنَّ صَوْتَ الْهُدَى مِنْهَا بَيَانُ

تَجَارِبُ عُمْرٍ صَاغَهَا الصَّبْرُ حِكْمَةً *** فَصَارَ الْوَقَارُ لَهَا أَجَلَّ عُنْوَانُ

 

يقولون إن في وعيها نقصًا، فابتسمتُ

لأن النقص لا يسكن من تُحسن الإصغاء إلى المعنى قبل الضجيج

هي لا تُقاس بعُرفٍ ولا تُوزن بموازين القوم

عقلها ليس حسابًا، بل رؤية

ودينها ليس ادعاءً، بل إيمانٌ يتسرّب في السلوك كما يتسرّب الضوء في الماء

أحببتها لأنها تمنح الحب دون ضجيج، كينبوعٍ يعرف قيمة عطائه

لا يساوم على جوهره ولا يُسعّره

صمتها اختيارٌ لا عجز، وغياب الكلام فيها امتلاء

فإذا نطقت، جاء صوتها متطهّرًا من الزوائد، كأن الحكمة تخرج من فمها خاشعةً لا متعالية

هي امرأة صاغها الصبر ببطءٍ حتى صار الوقار ملامحها، والتجربة نبرة قلبها

فلا تُغريها العجلة ولا تُفسدها القسوة

معها أفهم أن النضج ليس كثرة المعرفة، بل صفاء الإدراك

وأن الحب حين يبلغ هذا العمق، يتحوّل من رغبةٍ إلى معنى، ومن حضورٍ إلى يقين

 

قالوا: أَلَا تَخْتَارُ صِغْرًا يُعِيدُ لَكَ *** صَدَى الْمَاضِي؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ يُعَادُ زَمَانُ

صِغَارُ السِّنِّ أَحْلَامٌ تُجَدِّدُ كُلَّ يَوْمٍ *** وَلِي فِي الْعُمْرِ تَجْرِيبٌ لَهُ شُعَبٌ وَأَلْوَانُ

وَمَنْ يَبْتَغِي بِتَجْدِيدِ الزِّوَاجِ شَبَابَهُ *** فَقُلْ: إِنَّ الشَّبَابَ مَضَى، وَلَنْ يُسْتَرْجَعَ آنُ

رَأَيْتُ الْحُبَّ عِنْدَ الْكِبَرِ أَسْمَى نُضْجِهِ *** فَحُبُّ الْكِبَارِ يَسْمُو عَقْلًا وَإِيمَانُ

وَمَنْ يَعْشَقْ بِكِبَرِ السِّنِّ يَمْنَحْ دُونَمَا *** حِسَابٍ، وَيَطْوِي مَا مَضَى نِسْيَانُ

 

قالوا: ارجع إلى الصِّغر، فربما استعاد قلبك صدًى ما مضى

فقلتُ: وهل يُعاد زمنٌ أحببناه؟

الزمن لا يرجع، بل يعبرنا، ويترك فينا ثِقَل المعنى

يمرّ في القلب، ويتركه أكثر امتلاءً بما كان

إن الصغار تُجدِّدهم الأحلام كل صباح

أمّا أنا فقد علّمتني السنوات كيف تتشعّب التجربة، وكيف يصير العمر معنى لا رقمًا

الشباب لا يُستردّ بزواجٍ جديد ولا بوهم البدايات؛ هو مرحلة تمضي

لكن ما يبقى هو النضج حين يتخفّف القلب من اللهاث

عند الكِبَر، رأيتُ الحبّ أكثر صفاءً: أقلَّ طلبًا، أصدق عطاءً، أعمق إيمانًا

حبٌّ لا يساوم ولا يحصي، يمنح لأنه أدرك قيمة الفقد

ويغلق دفاتر الأمس لا هربًا، بل تصالحًا

هكذا يُحبّ الكبار: لا ليُعيدوا الزمن، بل ليصنعوا منه معنى

ولا ليملأوا فراغًا، بل ليؤكّدوا أن القلب، حين ينضج، يصبح أكثر قدرة على البقاء


قَالُوا: وَمَا لَاقَيْتَ مِنْهَا؟ فَقُلْتُ مُبْتَسِمًا *** لَقِيتُ صَفَاءَ الْوُدِّ وَالْعِرْفَانِ

وَفِيهَا مِنَ الشَّوْقِ الْمُتَيَّمِ صَبْوَةٌ *** وَعَطْفٌ جَرَى فِي الْقَلْبِ جَرْيَ الشِّرْيَانِ

وَمَا زَادَ قَلْبِي غَيْرُ قُرْبِهَا ثِقَةً *** فَصِرْتُ مَعَ الأَيَّامِ فِي اطْمِئْنَانِ

هِيَ الثَّيِّبُ قَدْ حَازَتْ مَحَاسِنَ جَمَّةً *** وَزَادَتْ بِطِيبِ الْقَوْلِ رَفْعَ شَأْنِي

رَأَيْتُ بِهَا نُورَ الْحَيَاةِ وَأُنْسَهَا *** فَأَذْهَبَ بُسْمُ ثَغْرِهَا كُلَّ أَحْزَانِي

  

سألوني عمّا لقيتُ منها، فقلتُ: ما يُعاش أوسع من أن يُختزل في جواب

لقيتُ صفاءً لا يطلب تفسيرًا، وودًّا يعرف طريقه إلى القلب بلا استئذان

فيها شوقٌ هادئ، لا يضجّ، وعطفٌ يسري في الروح كما يسري الدم في الشريان

ضرورةً لا ترفًا قربها لم يزدني تعلّقًا بقدر ما منحني ثقة

كأن الطمأنينة صارت لغة الأيام، وكأن القلب تعلّم أن يستريح دون أن يفقد شغفه

هي ناضجة لا لأن العمر مرّ بها، بل لأن المعنى أقام فيها

تجمع الحسن إلى الحكمة، وترفع من حولها بطيب القول لا بعلو الصوت

رأيتُ فيها نور الحياة حين يصفو، وأنسها حين يتخفّف الحزن من ثقله

فكانت ابتسامة ثغرها كافية لأن تُعيد ترتيب الداخل، لا لتلغي الألم

بل لتجعله قابلًا للبقاء… أقل قسوة، وأكثر معنى


نُؤمِّلُ في الدُّنيا طِوالًا وإنَّما *** طريقُ العُمرِ مهما طالَ ثَواني

تمضي الشُّهورُ علينا وهي راكِضةٌ *** كأنَّما الشَّهرُ في أعمارِنا يَومانِ

فما الدَّهرُ إلّا رِحلةٌ نقطعُ المدى *** وما الفضلُ إلّا ما رأتهُ العَينانِ

ولو مَنَّ ربُّ الورى للشيخِ بِخِلفةٍ *** لرأيتَهُ فرِحًا كأنَّ العُمرَ عادَ ثانِ

هُمُ الذُّخرُ للإنسانِ بعدَ رحيلِه *** وهم لِفؤادِ المرءِ نَبضُ جِنانِ

 

نُطيل الأمل في الدنيا ثم نكتشف متأخرين أن الطريق، مهما امتدّ، ليس إلا ومضاتٍ من زمن

تمضي الشهور ركضًا، حتى يبدو الشهر في أعمارنا يومين

ويصير الدهر رحلةً لا يُقاس طولها بالمسافة، بل بما أبصرته العيون ووعاه القلب

ولو أُعيد للشيخ زمنٌ آخر، لفرح لا لأن العمر عاد، بل لأن المعنى استُردّ

فالأثر وحده ما يبقى، والامتداد الحقيقي ليس في السنين، بل فيمن نخلّفهم خلفنا

هم ذُخر الرحيل، ونبض القلب بعد الغياب

والبرهان الأخير على أن الحياة، وإن قصرت، تُخلِّف ما يستحق البقاء


orent

ابو عبدالعزيز 

مدونتي الثانية : 

https://www.blogger.com/blog/post/edit/2886228449567156975/4206187308147271868

مدونتي الأولى : 

https://khdrees.blogspot.com/2014/05/blog-post.html


.