الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

كَحْلاءُ ما أبصرتُ عَينٌ مِثلَهُا

 



كَحْلاءُ ما أبصرتُ عَينٌ مِثلَهُا

قد أضرَمَ الشوقُ في قلبي تذكُّرُها *** والعينُ تَهمي دموعًا حُرقةً لَها

هيَ البقاعُ التي بالوحيِ شُرِّفَتْ *** والناسُ من شغفٍ تهوي لحَرَمِها

تبدو شموسَ العُلا ساميةً شُمُخًا *** تَختالُ بالوِشْحِ، والقلبُ يَهفو لَها

****

أضاءَتْ فؤادي إذ تأجَّجَ شوقُهُ *** ففاضتْ دموعي من لظى شوقِها

بدتْ قبلةَ الإيمانِ أسمى مكانةً *** فهامتْ قلوبُ المؤمنينَ إليها

تُشَدُّ الرِّحالُ شَوقَ قلبٍ لِقِبْلَةٍ *** وفيها تُلاقِي الرُّوحُ أُنسَ رَجاها

****

لبِسَتْ حُللَ السُّودِ تزدانُ بالعُلا *** وتزهو لِلأنامِ كلَّ عامٍ بثوبِها

قَمْراءُ تُشْعِلُ في الدجى نورَ السَّنا *** تُهدي الأنامَ ضياءَ حقٍّ من دُجَاها

ما أبصرتْ عينٌ مثلَها في جلالِها *** ولا خَطَرَتْ يومًا ببالِ سِواها

***

قَلبي مُتَيَّمُها وشَغفي بأرضِها *** فهفا فؤادي ثم لبَّيتُ داعيها

وصافحتُها لمّا دنوتُ لطوافِها *** ومسحتُ بالكفِّ يمانيِّ رُكنَها

وطُفتُ سبعًا ثم قبَّلتُ رُكنَها *** شوقًا وألصقتُ الخدودَ ببابِها

****

ألا ليتَ شعري إن أجاورَ بيتَها *** فسبحانَ مَن ألقى القبولَ وحبَّها

أُناجي بها ربًّا كريمًا مُجيبَها *** وأحيا بقربِ الطهرِ أرجو قُربَها

فما الكعبةُ الغرّاءُ إلا مهيبةٌ *** تجلّى بها نورُ الإلهِ وجمالُها

******

سألتُ إلهي حبَّها وحبَّ أرضِها *** فلبّى دعائي إذ تعلّقَ قلبي بها

أحببتُها حبًّا يفيضُ لِخالقٍ *** بها شُرِّفتْ، والقلبُ هامَ بصفوِها

ودّعتُها والقلبُ يرجو لِقاءَها *** وسألتُ ربّي أن يُعيدَني لَها

orent

أبو عبد العزيز

مدونتي الثانية:

https://www.blogger.com/blog/post/edit/2886228449567156975/2393141116661156710

مدونتي الأولى:

https://khdrees.blogspot.com/2014/12/blog-post.html


شرح الابيات

إن العلاقة بين الكعبة المشرفة والمؤمن علاقةٍ روحيةٍ عميقةٍ بين القلب وتلك البقاع المباركة

والارتباط بين الكعبة المشرفة والمؤمن هو علاقة روحية عميقة

تجسد وحدة الأمة وتوجه قلوبهم نحو مركز واحد لله في الصلاة

وهي استجابة لأمر إلهي وتجسيد لرغبة النبي إبراهيم عليه السلام

مما يجعلها رمزًا للتوحيد والانتماء والتقرب إلى الله

وليست مجرد اتجاه مادي، بل شعور بالصلة القلبية مع الله ببيت الله الحرام

وهذه الأبيات نظمتها وهي تنبض بشوقٍ صادقٍ

وتكشف عن علاقةٍ روحيةٍ عميقةٍ بين القلب وتلك البقاع المباركة

فمجرد تذكّرها يشعل في النفس نار الحنين، ويستدرّ الدموع من العين شوقًا وحرقة

إنها الأرض التي نالت شرفها بالوحي، فغدت مقصد القلوب قبل الأجساد

تهوي إليها الأرواح بشغفٍ لا يخبو هناك، تسمو معاني العزة والقداسة

وتشرق أنوار المجد شامخةً في الأفق فتتزين البقاع بهيبةٍ تملأ الوجدان

ويظل القلب معلّقًا بها، يهفو إليها القلب وكأنها وطن الروح وملاذ الشوق الأبدي

 

أضاءَتْ فؤادي إذ تأجَّجَ شوقُهُ *** ففاضتْ دموعي من لظى شوقِها

بدتْ قبلةَ الإيمانِ أسمى مكانةً *** فهامتْ قلوبُ المؤمنينَ إليها

تُشَدُّ الرِّحالُ شَوقَ قلبٍ لِقِبْلَةٍ *** وفيها تُلاقِي الرُّوحُ أُنسَ رَجاها

 

تبرز هذه الأبيات حالةً وجدانيةً عميقة، حيث يتحوّل الشوق إلى نورٍ يضيء الفؤاد كلما اشتدّ حضوره

فتفيض الدموع تعبيرًا صادقًا عن حرارة التعلّق وقدسيته

إنها قبلة الإيمان التي تتجاوز المكان لتغدو معنى ساميًا تسكنه الأرواح قبل الأجساد

فتهيم إليها قلوب المؤمنين شوقًا وامتثالًا

ومن أجلها تُشدّ الرحال لا بدافع السفر وحده، بل للعبادة والتقرب إلى الله خاصة

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:

المسجد الحرام، ومسجدي هذا (النبوي) والمسجد الأقصى

وتعكس حالةً وجدانيةً عميقة، حيث يتحوّل الشوق إلى نورٍ يضيء الفؤاد كلما اشتدّ حضوره

فتفيض الدموع تعبيرًا صادقًا عن حرارة التعلّق وقدسيته

إن مكة المكرمة قبلة الإيمان التي تتجاوز المكان لتغدو معنى ساميًا تسكنه الأرواح قبل الأجساد

فتهيم إليها قلوب المؤمنين شوقًا وامتثالًا

حيث تجد الروح في رحابها الأنس والطمأنينة، وتلتقي بما كانت ترجوه من سكينةٍ وقربٍ وامتلاءٍ إيماني

لبِسَتْ حُللَ السُّودِ تزدانُ بالعُلا *** وتزهو لِلأنامِ كلَّ عامٍ بثوبِها

قَمْراءُ تُشْعِلُ في الدجى نورَ السَّنا *** تُهدي الأنامَ ضياءَ حقٍّ من دُجَاها

ما أبصرتْ عينٌ مثلَها في جلالِها *** ولا خَطَرَتْ يومًا ببالِ سِواها

 

تصوّر هذه الأبيات هيبةَ ذلك المقام العظيم في صورةٍ مهيبةٍ تجمع بين السكون والجلال

فالكعبة تتوشّح بالسواد لا حزنًا، بل عزًّا وسموًّا، ويزداد بهاءً في أعين الخلق عامًا بعد عام

وفي حضرتها يسطع نورٌ لا يشبه نور القمر، بل نورٌ يبدّد عتمة القلوب قبل ظلمة الدجى

ويهدي النفوس إلى الحقّ بثباتٍ وطمأنينة

إنها صورةٌ فريدةٌ في جلالها، تأسر الأبصار وتعلو على كل تصور، فلا ترى العين مثلها

ولا يخطر في الخيال سواها، لما لها من مكانةٍ متفرّدةٍ وهيبةٍ لا تدانيها هيبة

قَلبي مُتَيَّمُها وشَغفي بأرضِها *** فهفا فؤادي ثم لبَّيتُ داعيها

وصافحتُها لمّا دنوتُ لطوافِها *** ومسحتُ بالكفِّ يمانيِّ رُكنَها

وطُفتُ سبعًا ثم قبَّلتُ رُكنَها *** شوقًا وألصقتُ الخدودَ ببابِها

 

تفيض هذه الأبيات بصدق التجربة وروح القرب

إذ أصوّر في هذه الابيات قلبًا مأخوذًا بعشق تلك البقاع الطاهرة

ولا يملك إلا أن يستجيب لندائها حين دعته وحين يقترب

يتحوّل الشوق إلى فعل، فتلامس الكفّ أركان الطواف بخشوعٍ وهيبة وكأنها تصافح القلب قبل اليد

وفي الدوران حولها سبعًا يذوب التعب في لذّة القرب، ويبلغ الشوق ذروته عند تقبيل الركن

حيث تنحني المشاعر قبل الجسد، وتلتصق الخدود ببابها تعبيرًا عن حبٍّ صادقٍ وافتقارٍ خاشع

يجد في ذلك المقام أسمى معاني السكينة والطمأنينة

 

قَلبي مُتَيَّمُها وشَغفي بأرضِها *** فهفا فؤادي ثم لبَّيتُ داعيها

وصافحتُها لمّا دنوتُ لطوافِها *** ومسحتُ بالكفِّ يمانيِّ رُكنَها

وطُفتُ سبعًا ثم قبَّلتُ رُكنَها *** شوقًا وألصقتُ الخدودَ ببابِها

 

معان أخر لتلك الابيات إذ تعكس هذه الأبيات شوقًا عميقًا يسكن القلب قبل أن يخطو الجسد

فالعشق لتلك الأرض المباركة هو الذي حرّك الفؤاد ودفعه إلى تلبية النداء

وحين يقترب المؤمن من الكعبة يصبح الطواف لحظة لقاءٍ روحيّ

حيث تمتدّ اليد لتلامس الأركان بخشوعٍ وامتنان

وكأنها تصافح تاريخًا من الإيمان واليقين

ومع اكتمال الأشواط السبعة يفيض الشوق حتى يبلغ ذروته

فتُقبَّل الأركان وتلتصق الخدود ببابها في مشهدٍ يجسّد أقصى معاني الحبّ والتذلّل

حيث يجد القلب في هذا القرب سكينته، وتبلغ الروح تمام أنسها وطمأنينتها


ألا ليتَ شعري إن أجاورَ بيتَها *** فسبحانَ مَن ألقى القبولَ وحبَّها

أُناجي بها ربًّا كريمًا مُجيبَها *** وأحيا بقربِ الطهرِ أرجو قُربَها

فما الكعبةُ الغرّاءُ إلا مهيبةٌ *** تجلّى بها نورُ الإلهِ وجمالُها

 

أمنيةٍ صادقةٍ تنبع من أعماق القلب

أتمنى فيها مجاورة ذلك البيت العظيم الذي ألقى الله في القلوب محبته وقبوله

فهي ليست أمنية سكنٍ أو قرب مكان

بل شوق روحٍ تتطلّع إلى مناجاة ربٍّ كريمٍ مجيب في رحاب الطهر والسكينة

هناك، حيث تحيا النفس بقرب بيت الله الحرام، يتجدّد الرجاء ويصفو القلب

فيدرك أن الكعبة الغرّاء ليست مجرد بناءٍ مهيب، بل موضعٌ تجلّى فيه نور الله وجمال حضرته

فازدادت هيبةً وعظمةً في القلوب قبل الأبصار


سألتُ إلهي حبَّها وحبَّ أرضِها *** فلبّى دعائي إذ تعلّقَ قلبي بها

أحببتُها حبًّا يفيضُ لِخالقٍ *** بها شُرِّفتْ، والقلبُ هامَ بصفوِها

ودّعتُها والقلبُ يرجو لِقاءَها *** وسألتُ ربّي أن يُعيدَني لَها

 

في هذه الابيات حالةً إيمانيةً خالصة

يبدأ فيها الحبّ دعاءً صادقًا يُرفع إلى الله قبل أن يكون شعورًا في القلب

فيستجيب المولى حين يتعلّق الفؤاد بتلك الأرض المباركة

فهو حبٌّ لا ينفصل عن محبة الخالق، لأن شرفها من شرف من أكرمها الله به

فصفا لها القلب وهام بمعانيها الطاهرة

وحين تحين لحظة الوداع، لا ينطفئ الشوق، بل يتحوّل إلى رجاءٍ صامت

يختبئ في الدعاء أن يكون الفراق مؤقتًا

وأن يمنّ الله بلقاءٍ قريبٍ يعيد الروح إلى حيث وجدت سكينتها الأولى


.