السبت، 10 يناير 2026

آيَة الْحُسْنِ وَعِفَّة النَّظَر

 


آيَةُ الْحُسْنِ وَعِفَّةُ النَّظَرْ

لَمَّا بَدَا الْبَدْرُ يُجْلِي ظُلْمَةً *** الليل وَأَضَاءَ بِالسَّنَا وَأَسْفَرْ

وَانْثَنَى بِالنُّورِ حَتَّى عَمَّنَا *** وَغَشَى جَمِيعَ الْأَرْضِ ثُمَّ انْتَشَرْ

لَاحَتْ بِرِيَاضِ الْعِزِّ ظَبْيَةُ حُسْنٍ *** تَسْلُبُ اللُّبَّ قَسْراً وَالْبَصَرْ

لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً زَادَهَا *** رَهْبَةً َ وَهْيَ بِهِ قَدْ تَسْتَتِرْ

تَجْلُو دُجَى اللَّيْلِ بِوَجْهٍ كَالضُّحَى *** نَابَتْ إِذَا مَا غَابَ عَنَّا الْقَمَرْ

***

تُضِيءُ لَيْلَ "الرِّيَاضِ" بِنُورِ وَجْهٍ *** كَالصُّبْحِ حِينَ يَبِينُ فِي وَضَحِ السَّحَرْ

سَحَرَتْ أَنَامًا بِتَوْرِيْدٍ، فَحَارَتْ فِيـ *** ـهَا النُّهَى، وَتَوَارَى الْفِكْرُ وَالْحَذَرْ

قَدْ أُكْمِلَ الْحُسْنُ فِيهَا حِينَ صَوَّرَهُ *** رَبِّي، فَـقَصَّرَ فِي أَوْصَافِهَا الشِّعِرْ

تَجَلَّى الْجَمَالُ بِهَا فَأَصْبَحَتْ "رُؤىً" *** صَاغَ الْجَمَالَ لَهَا الرَّبُّ الْمُقْتَدِرْ

سُبْحَانَ مَنْ أَبْدَعَ فِي تَكْوِيْنِهِا حُسْنًا *** حَتَّى بَدَا فِي صُنْعِهِ أَبْهَى الأَثَرْ

****

لَمْ تَرَ عَيْنِي شَبَهًا لِحُسْنِـهَا *** وَلَا مَثِيـلَ لَهَا سِوَى نُسْخَةِ الْقَمَرْ

فَإِنْ رَنَتْ خِلْتَ فِيهَا الرِّيمَ جَافِلَةً *** وَإِنْ هِيَ سَفَرَتْ لَاحَ السَّنَا الأَغَرْ

تَبَسُّمُ الثَّغْرِ لِلْأَلْبَابِ فَاتِنٌ *** وَمَا غَرَامِيَ وَصْفُ ذَاكَ الثَّغَرْ

هِيَ أُولَى الرُّؤَى بِفُؤَادِي قَبْلَمَا *** يَهْوِي الْهَوَى بَيْنَ الْحَنَايَا وَيَسْتَقِرْ

فَاقَ الْجَمَالُ بِحُسْنِهَا كُلَّ الْمُنَى *** وَغَدَا ضِيَاءً فِي الدُّجَى لِمَنْ نَظَرْ

****

لَمَّا خَشِيَ اللَّحْظَ مِنِّي انْـثَـنَى *** وَأَسْدَلَ فَوْقَ الْـمُحَيَّا الشَّعَرْ

أَسْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ *** وَأَنَا نِلْتُ نَصِيبِي مِنْ سِتَرْ

فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ إِلَهِي، فَقُلْـ *** ـتُ طَوْعاً لِرَبِّي: ثُمَّ كَفَفْتُ الْبَصَرْ

لَا لِضَعْفٍ، بَلْ لِخَوْفِي مِنْ مَقَاـ *** ـمٍ لَدَى رَبٍّ عَظِيْمٍ مُقْتَدِرْ

فِي غَضِّ طَرْفِكَ مَنْجَاةٌ، وَبِالـ *** ـعَفَافِ تَزْكُو حَمِيدَةُ السِّيَرْ

***

بِكْرُ الرُّؤَى حَلَّتْ بِقَلْبِي، وَلَكِنْ *** نَظْرَةٌ فِي الضُّلُوعِ تزيدُ الشَّرَرْ

خِـفْتُ أَنْ يَـسْتَبِيَ قَـلْبِي هَـوَاهَا *** فَالْهَوَى إِنْ تَمَادَى طَغَى وَاسْتَعَرْ

فَاحْتَمَيْتُ التُّقَى وَقَيَّدْتُ نَفْسِي *** إِنَّمَا النَّفْسُ إِنْ تُهْمَلْ تَغَرْ

إِذْ هَمَمْتَ بِذَنْبٍ جَنِّبِ النَّفْسَ *** عَنْ هَوَاهَا، بِالصَّبْرِ أَوْ بِالنَّصْرْ

رُبَّ نَظْرَةِ عَيْنٍ تَجُرُّ بَلَاءً *** فَالْعُيُونُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرْ


وقفة أدبية:

 وإذا كانت العفةُ هي لجامَ النفس عن الهوى، فإنَّ الوفاءَ بالعهود هو ميزانُ الرجولة

فما فائدةُ أن يغضَّ الإنسانُ بصره تقوىً

ثم يفتحَ باباً للعلاقات التي تضيعُ فيها الحقوقُ تحت مسمى (زواج المسيار)

إنَّ هذا الزواج قد يظنه البعضُ مخرجاً، لكنه في الحقيقة يبدأ بليالٍ وردية

 وينتهي بمرارةٍ صامتة وحقوقٍ منسيّة

وقصصٍ تُروى في أروقة المحاكم وخلف الأبواب المغلقة

هو وعدٌ ورديّ في أوله، ثم صمتٌ طويل وحقوقٌ تذوب في مهبّ الكتمان

وكأنني أردتُ بتلك العفة في قصيدتي أن أمهد للطريق الواضح الذي لا خفاء فيه

فالحبُّ الذي لا يحميه العلنُ والوفاء، تقتله الظنونُ والضياع

وفي هذا أقول تذييلاً لما سبق:

عَقَدوا المَوَدَّةَ في خَفـاءِ مَساكنٍ *** والحقُّ يَهوي في دُجى الكِتمانِ

بَدأَتْ لياليهمْ زُهـوراً غَضَّـةً *** والوعدُ ورديٌّ بـلا عُنــــــوانِ

حتى إذا مـالَ الزمانُ بِحِملِـهِ *** ذابَتْ حُقوقُ الأهلِ والخِــــلاّنِ

يا باحِثاً خلفَ الستارِ عنِ الهَنا *** هيهاتَ يُبنى الصّرحُ دونَ أمانِ


التضاد الفني: في القصيدة الأولى (لَفَّهَا اللَّيْلُ سِتَاراً)

وفي الأبيات على التعليق على زواج المسيار (عقدوا المودة في خفاء)

مما يخلق تناغماً بين الستر المحمود (العفة) والستر المذموم (هضم الحقوق(


زواج المرايا

إن كان زواج المسيار قد استوطن مساحات الجدل الاجتماعي والقانوني

لكونه عقداً يقتاتُ على تنازل المرأة عن حقوقها الجوهرية في السكن والنفقة 

فإنه في حقيقته لم يكن إلا فاتحة لعهدٍ جديد من العلاقات الهشة

عهدٌ يكتفي من 'الميثاق الغليظ' بظلاله الباهتة، ويستعير من الشريعة صياغتها الظاهرة فقط

بينما يسقط من حساباته السكن والمودة كقيمٍ عليا وحقوقٍ أصيلة لا يستقيم البيت بدونها

ففي ثنايا مجتمعاتنا المعاصرة، تناسلت أشكالٌ مستحدثة من الزواج تقتفي أثر المسيار في دروب التنازل والسرية

لكنها تتدثر برداء الظروف الوقتية والحاجات العابرة

محولةً الرباط المقدس من مشروع حياةٍ مستدام إلى ترتيباتٍ مؤقتة تمليها الضرورة

وتفتقر إلى روح الاستقرار


أقنعةٌ لغاياتٍ شتى

لقد تفرعت عن شجرة الاستثناءات غصونٌ شائكة؛ فبرز زواج المسفار

 الذي يشدّ رحاله برحيل المغترب عن بلاد البعثة، ليغدو مجرد تحصينٍ مؤقتٍ مسقوفٍ بزمن الدراسة

تلاحقه نية الطلاق الخفية كغصةٍ تؤرق طهر الميثاق وتضعه في مهب الجدل

وعلى أرصفة الفصول، نبت زواج المصياف كزهرةٍ موسمية تزدهر مع وهج الإجازة وتذبل بانطفائها

يلفه ضباب السرية التي تحجب عن المرأة اعتراف المجتمع، وتترك حقوقها تذروها رياح الترحال

أما زواج الوناسة فهو المرفأ الذي ارتضاه الطرفان ليكون استراحة محارب لا دار بناء

حيث تخلع فيه الزوجة حقها الفطري في المعاشرة

لترتدي ثوب الرفيق والممرض لمسنٍّ يطارد طيف الأنس لا رغبة الإنجاب

وفي زوايا المدن الصاخبة، يتوارى زواج النهاريات والليليات

حيث يُرهن الميثاق الغليظ بساعاتٍ يمليها ضوء الشمس أو عتمة الليل

في لقاءاتٍ مبتورة تفتقد لسكينة المبيت الدائم، وتعجز عن جمع شتات الأسرة تحت سقف الاستقرار

حقوقٌ في مهب الريح

إن هذه الأنماط المستحدثة، وإن تدثرت بعباءة 'الحلول الظرفية

إلا أنها تظل زوايا معتمة في بنيان المجتمع، وثقوباً يتسرب منها جوهر الاستقرار

فبين مسفارٍ يفتقر إلى الجذور، ومصيافٍ يضيع الحقوق في متاهات السرية

ووناسةٍ يحيل الزوجة من شريكة حياة إلى مقدمة رعاية

تبرز الحقيقة المرة التي تتوارى خلف الأبواب المغلقة: أن الضحية الكبرى هم الأبناء

فخلف بريق هذه المسميات، تتوه الأنساب في دروب الإنكار، وتتفكك الروابط الأسرية العميقة قبل أن تشتد

ليتحول الرباط الذي وصفه الخالق بـ الميثاق الغليظ إلى مجرد عقد خدمة

أو تصريح مرور لغاياتٍ محدودة الأجل إنها زيجاتٌ تكتفي من الشرع برسمه وظاهره

لكنها تترك خلفها روح الزواج الذي شُرع ليكون وطناً مستقراً وملاذاً آمناً

لا مجرد محطة انتظار عابرة في قطار العمر

ميزان العدالة وتبعات الغياب

لا تقف خطورة هذه الزيجات عند حدود المسميات، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الفردي والمجتمعي

فمن المنظور القانوني، لا يعتد القضاء بالألقاب (مسياراً كانت أم وناسة)

بل يرتكز على أركان العقد وشروطه؛ فما دامت الأركان مستوفاة والتوثيق رسمياً

يظل الزواج قائماً، وتظل حقوق المرأة وإن تنازلت عنها مؤقتاً قابلة للاسترداد أمام القضاء

إذ إن الحق في النفقة والسكن يتجدد بتجدد الأيام ولا يسقط بالتقادم

بيد أن العقدة الكبرى تكمن في الزيجات (السرية) أو غير الموثقة

حيث تضيع الحقوق في دهاليز إثبات النسب، ويواجه الأبناء مستقبلاً مجهولاً بلا أوراق ثبوتية

وتُحرم الزوجة من حق الميراث لغياب الحجة الرسمية

أما اجتماعياً، فإن هذه "الحلول المؤقتة" تفرز ندوباً مستدامة

فهي تزعزع مفهوم السكن الروحي وتحيله إلى لقاءات عابرة

وتضع الزوجة تحت وطأة الوصمة الاجتماعية والسرية، مما يجعلها عرضة للاستغلال المادي أو المعنوي

إن الضريبة الباهظة لهذه الاختيارات لا يدفعها الزوجان فحسب

بل يتجرع مرارتها الأبناء الذين يجدون أنفسهم في بيئة هشة، ضحايا لنكران الأب أو تشتت الانتماء

ختامًا
قد تبدو هذه الزيجات في ظاهرها مخرجًا اضطراريًا تفرضه بعض الظروف الاجتماعية

كالعنوسة أو الحاجة إلى الرفقة

غير أن ما يُتصوَّر حلًا لمواجهة تحديات الحياة أو بحثًا عن السكينة

لا يكون في حقيقته إلا مدخلًا لإشكالات أعمق وأكثر تعقيدًا

فالواقع يثبت أن أثمانها القانونية والاجتماعية باهظة

وتلقي بظلالها القاسية في المقام الأول على الحلقة الأضعف؛ المرأة والأطفال

الذين يدفعون الثمن الأكبر على حساب استقرارهم وأمان مستقبلهم

ويبقى الزواج التقليدي هو الملاذ الذي يحمي الكرامة

وما دونه ليس إلا مرايا خادعة قد تلمع في البداية، لكنها تنكسر عند أول اختبار للحقوق

orent

أبو عبد العزيز

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق