السبت، 20 ديسمبر 2025

هل معاناةُ الشعراء حقيقةٌ تُعاش أم خيالٌ يُنسَج

 


هل معاناةُ الشعراء حقيقةٌ تُعاش أم خيالٌ يُنسَج

سؤالٌ ظلّ معلّقًا في فضاء الشعر منذ أن وُلدت الكلمة الموزونة

أذلك الوجع الذي ينسكب في أبيات الغزل صدى تجربةٍ ذاقها قلب الشاعر حقًّا

أم هو نفَسُ الخيال حين يتقمّص الشاعر دور العاشق

فيرسم وجعًا لا وجود له إلا في عوالم الإلهام

لطالما دار الجدل حول الصلة بين الشعر والمعاناة:

أهي واقعٌ عاشه الشاعر، فحوّله إلى كلماتٍ نابضة بالإحساس

أم خيالٌ خصبٌ يمتلك القدرة على ابتكار الألم

وصياغته بعمقٍ يلامس الوجدان

الرأي الأول: الشعر ابنُ المعاناة الحقيقية

يرى فريق من النقّاد أنّ الشعر لا يكون شعرًا إلّا إذا خرج من محراب الصدق الوجداني

فالشاعر في نظرهم لا يبلغ مرتبة الإبداع إلا إذا انصهر وجدانه في تجربة حقيقية عاشها

أو تركت في نفسه أثرًا لا يمّحي

وأن الشعر لا يولد إلا من رحم المعاناة الحقيقية

وأن التجربة الصادقة بما تحمله من ألم وفرح وانكسار هي الوقود الأساس للإبداع الشعري

فحين يتوحّد الشاعر مع ألمه، تتّسع رؤيته، وتتعمّق مشاعره

وتغدو كلماته مرآةً لما يجيش في صدره من خواطر

فتأتي قصيدته امتدادًا لمعاناة أحسّها، وعاش لحظاتها، وذاق مرارتها

ومن هنا يرون أن الإبداع ليس إلا ثمرةً لتجربة واقعية، تفيض صدقًا وتنبض حياة

الرأي الثاني: الخيال قادر على أن ينسج معاناة كاملة

أما الفريق الآخر، فيؤمن بأنّ الشاعر ليس بالضرورة شاهدًا على ما يكتب، ولا سجينًا لوقائع حياته

فالخيال في رأيهم قادر على أن يُلبس المشاعر ثوب الحقيقة، وأن يخلق عالمًا يصدّقه المتلقي

حتى لو لم يعشه الشاعر قطّ.

ويذهب هذا الفريقٌ إلى أن الخيال وحده كفيلٌ بنسج معاناة كاملة

وأن الشاعر المبدع يستطيع أن يتقمّص الألم ويتخيّله

فيعبّر عنه بصدقٍ فني لا يقل أثرًا عن التجربة الواقعية

وكم من شاعرٍ رثى طفلًا لم يكن طفله، فأبكى قلوبًا لم تعرفه

وكم من شاعرٍ تغنّى بامرأة لم تطأ عالمه، فجعل السامعين يؤمنون بعشقه

حتى آمنوا به وكأنه عاشه حقيقة

الشعر بين الإحساس والخيال

إنّ الشعر في جوهره إحساسٌ، ومعاناةٌ وفصاحةٌ ومنطق

هو موهبةٌ يشعلها الإبداع أولًا، ثم تأتي قوة الشعور ودقّة التصوير لتجعل المتلقي يعيش اللحظة

كما لو أنّه يشاهد الحدث بعينه، لا يسمعه بأذنه فحسب

وأمّا المعاناة، فليست شرطًا لازمًا، ولا قيدًا يقف أمام الشاعر

وقد رأينا مثال ذلك في الشاعر جرير، الذي كان غزله رقيقًا عذبًا مع أنّه لم يعرف العشق كما يعرفه العاشقون

وقد جاء غزل جرير من أرقّ ما قيل وألذ وقعًا في النفوس

رغم أنه لم يعرف العشق في واقعه المعروف ولم يعرف العشق كما يعرفه العاشقون

ويشهد على ذلك قوله في قصيدته الخالدة:

 

يا أمَّ عَمروٍ جزاكِ اللهُ مغفرةً *** رُدّي عليَّ فؤادي كالذي كانا

أَلَسْتِ أمْلَحَ مَنْ يمشي على قَدَمٍ *** يا أملح الناس كُلِّ الناس إنسانا

يلقى غَريمكُمُ مِنْ غَيرِ عُسرَتِكُمْ *** بالبذل بُخلاً وبالإحسان حِرمانا 

قد خُنتِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَخْشى خِيانتكُمْ *** ماكنتِ أول موثوق بهِ خانا 

لقد كَتَمْتُ الهوى حتى تَهيَّمَني *** لا أستطيعُ لهذا الحُبِّ كِتمانا 

كاد الهوى يومَ سَلْمانَيْنِ يقتلني *** وكاد يقتلني يوماً ببيدانا 

لا بارك الله فيمن كان يَحْسَبُكُمْ *** إلا على العهدِ حتى كان ما كانا 

لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت *** أسباب دُنياك من أسباب دنيانا

ما أحدثَ الدهرُ مِمَّا تعلمين لكم *** لِلحبل صرماً ولا للعهد نسيانا 

إنَّ العيونَ التي في طرفِها حَوَرٌ *** قتلنَنا ثم لم يُحيينَ قتلانا

 يصرعنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حراكَ بهِ *** وَهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا 

يا حبذا جبلُ الريان من جبلٍ *** وحبذا ساكنُ الريانِ من كانا

وحبذا نفحاتٌ مِن يمانيةٍ *** تأتيك مِنْ قِبَلِ الريان أحيانا 


ثم يقول الشاعر جرير عن نفسه:

) والله لولا انشغالي بهجاء الفرزدق والأخطل والراعي النميري لقلتُ غزلًا يجعل العجوز تحنّ إلى شبابها (

وهذا كلّه شاهد على أنّ الشاعر قادر بموهبته وخصوبة خياله على أن يصنع تجربةً غرامية كاملة

دون أن يعيشها في الواقع

إذن الشعر إحساس ومعاناة وفصاحة ومنطق

فالأبداع أولا ثم قوة الإحساس والتصوير لتشعر المتلقي كأنه يشاهد الحدث بعينه

اما المعناة ليس شرطاً وضربنا مثالا لذلك الشاعر جرير له من اقوال الشعر وأنه لم يمر بصدق التجربة  

وهكذا تتقاطع الرؤيتان

بين من يرى المعاناة منبع الإبداع

ومن يؤمن بأن الخيال وحده قادرٌ على خلقها ومنحها الحياة

فليس المهم أن يكون الشاعر قد مرّ بالتجربة فعلاً، بل أن يكون قادرًا على إيهامنا بصدق الشعور

وأن ينقلنا إلى عالم تحيا فيه العاطفة، سواء وُلد ذلك العالم من واقعٍ مرّ به، أو من خيالٍ جسّده بقوة موهبته

وأمّا أنا، فأجد نفسي أميلُ إلى الرأي الثاني؛ فلكم في محدّثكم مثالٌ قريب

ففي أحد أعوام رمضان المبارك، كنت في مكة المكرمة وحيدًا يومها بعدما آثرت زوجتي أم عبد العزيز ألّا ترافقني

فهي لا تطيق الزحام، وتفضّل زيارة البيت الحرام في مواسم الهدوء والسكينة

أمّا أنا، فلا أفرّط في رمضان مكة أبدًا؛ فله في القلب لذّة لا تضاهيها لذّة، وله في الروح أثر لا يمّحي

لكنّ الوحدة مهما تزيّنت تبقى ثقيلة، لا رفيق لها إلا أنين الصمت وعبق الشوق

كنت دائمًا أُمنّي نفسي بامرأة تحب مكة كما أحبها

امرأةٍ ترافقني في الطواف والسعي وتكون شريكة دربي إلى الله

نخطّ طريق الحياة بقلوبٍ متآلفة

وفي أحد أعوام عيد الفطر المبارك، وبعد أن فرغتُ من صلاة العيد

قصدتُ وقف الملك عبد العزيز للإفطار في المطعم المطل على المسجد الحرام

جلست إلى طاولتي بعد الإفطار، أتأمّل المكان بصمتٍ شفيف

وأنا الوحيد في المطعم إلا من عامل نظافة يمسح الأرض بهدوء

وفي لحظةٍ غريبة امتزج فيها الخشوع بالوحدة، تخيّلت امرأة تجلس على الطاولة المقابلة

تنظر إليّ من بعيد نظرةً تحمل ألف حكاية

لم يكن هناك أحد بالطبع، ولكنّ المخيّلة حين يشتدّ عليها الصمت تصنع رفقة جميلة

ومن ذلك الخيال وُلدت قصيدة

قصيدةٌ صنعتها العين من وهم، وصاغها القلب بصدق،

فلم يكن في المطعم سواي وذاك العامل

ولكنّ الشعر لا يحتاج إلا شرارةً تُوقِد الوجدان وقلت يومها هذه القصيدة:

 

أفاطمُ أصيبَ الفؤادُ بعدكمُ بلوعةٍ *** لاَعَهُ الحبُّ وانشقَّ القلبُ وانفطرَ

يا ظبيةً قد كسا لونُ الوردِ خدَّها *** ياقوتةٌ جاءتْ في طريقي يومَ عيدِ الفطرِ

ترنو النَّظرَ في سكونٍ طرفُ ناعسٍ *** رمتني بمقلتَيها بسهمٍ من نَظَرِ

تبوحُ العيونُ بالحبِّ إذا نطقَ الجسدُ *** وقد شغفَ الفؤادُ بحبِّها بعدَ البصرِ

لها نظرةٌ خجلى تستحي من رفعِها *** ونظراتٌ جانبيّةٌ تسترقُ فيها النَّظرَ

أكتمُ هواها وأسمعُ نداها وأنا في *** هواها مُغرمٌ، فما حيلتي والهوى قَدَرُ

مُتَيَّمٌ قلبي في هواها مُحبٌّ *** كم تمنّيتُ أن أكملَ معها باقي العُمُرِ

 

وهكذا يتبيّن أنّ التجربة الشعرية لا يلزم أن تكون واقعةً عاشها الشاعر في حياته

فقد تكون شرارةً صغيرة توقدها لحظة عابرة

ثم تنمو في خيال الشاعر حتى تسجل عالمًا كاملًا من الصور والعواطف

وليس عجيبًا أن تُنسب القصص بعد ذلك إليه أو أن تُحاك حول شعره حكاياتٌ لا أصل لها

فالشعر في جوهره فنٌّ يصنع الحقيقة من الخيال ويُقنع القلب بما لم يقع

ملهمة "الأطلال": حقيقة أم سرد جميل

وإذا كان جرير قد أبدع غزلًا بلا معشوقة، والمشهد ذاته يتكرر معي أنا

فإن سؤالًا آخر يطلّ علينا من بعيد:

حين نتساءل: ويفرض علينا حقّ التساؤل

من هي ملهمة إبراهيم ناجي في قصيدته الخالدة "الأطلال"

هذه القصيدة التي غنّتها أم كلثوم، فحملت قلوب العرب إلى عالمٍ من الشجن لا يزال يتردّد إلى اليوم

لقد تباينت الروايات حول هذه القصيدة

وقد رُويت حولها روايات متعدّدة ومختلفة، لا يجمعها يقينٌ ولا تثبتها حقيقة قاطعة

حتى ادّعت كثيرٌ من الفنانات أنّها قيلت فيهن ونسج الناس حولها قصصًا كثيرة لا تمتّ للواقع بصلة

لكن الرواية الأقرب جاءت على لسان ابنة إبراهيم ناجي الكبرى أميرة

التي روت لـوكالة الأهرام قصةً تُعدّ الأقرب إلى الحقيقة

قالت إنّ والدها كتب "الأطلال" في فتاة تُدعى عِفّت، وهي الحبّ الأول في حياته

وكانت ابنة الجيران تربط عائلتهم بعائلتنا صداقة قديمة

تعلّق قلب أبي بها، لكنها لم تكن تتحدث العربية

فتعلم من أجلها اللغة الفرنسية ليخاطبها وكتب فيها أشعاره الأولى

ظل أبي يحبّها في صمت، مكتفيًا بنظراتٍ خجولة وهمساتٍ لا تُقال

وحين تزوجت عِفّت، أصابت أبي صدمةٌ عاطفية قوية

فأعرض عن الزواج بعدها زمنًا طويلًا وكتب قصيدة (الأطلال)

يعكس فيها وجعه وذكرياته وآثار ذلك الحب

ومع ذلك، فتبقى هذه الرواية كغيرها من الروايات في دائرة الظنّ لا اليقين

إذ لم يترك الشاعر إبراهيم ناجي نفسه اعترافًا صريحًا حاسمًا يثبتها يقطع الشك ويثبت الحقيقة

إلا أن هذه القصيدة كانت منعطفًا مهمًا في حياة الشاعر إبراهيم ناجي الأدبية

وسببًا في شيوع اسمه بين شعراء مدرسة أبولّو ومحبّي الشعر الرومانسي

والذي أريد الوصول إليه:

أنّ الشعر يقوم على الخيال والعاطفة قبل أي شيء

ولا يلزم أن يكون الشاعر قد عاش التجربة أو مرّ بالحدث الذي يصوّره

فكثيرًا ما يأتي الأدباء بعد الشعراء

فيؤلفون في كتبهم قصصًا من نسج مخيّلتهم الواسعة

فتختلط الحقيقة بالوهم، ويُزاد في الروايات

حتى تُشوَّه ملامح الأصل ويُعبث به في كثير من الأحيان

بين حقيقة قيس بن الملوّح ووهم الرواة

وإذا مضينا أبعد في هذا الطريق، وجدنا أنّ السؤال لا يقتصر على جرير ولا على إبراهيم ناجي

بل يصل إلى أشهر عشّاق العرب: قيس بن الملوّح فرغم أنّ شخصية قيس تبدو في أصلها حقيقية

لكن يبقى السؤال: هل صدرت تلك الأفعال التي تُروى عنه حقًا

أم أنّها من صُنعة الروائيين الذين نسجوا حوله القصص

ثم ألصقوها بسيرته حتى أصبحت جزءًا من صورته في الذاكرة الأدبية

إلا أنّ كثيرًا من الأفعال التي نُسبت إليه لا يُعرف أن كانت من أصداء الواقع أم من جعبة الروائيين

الذين بالغوا في إلباسه ثوب الجنون والعشق حتى غدا رمزًا لا شخصًا

ومن القصص التي شاعت وقد نسجها الرواة ببلاغةٍ وإفراط

أنه يُحكى ممّا حبكه الرواة أنّ قيسًا مرّ بزوج ليلى يومًا

وكان الرجل جالسًا يتدفأ في يوم شديد البرد، فوقف المجنون وأنشأ يقول:

بربّكَ هل ضممتَ إليكَ ليلى *** قبيلَ الصبحِ أو قبّلتَ فاها

وهل رفّتْ عليكَ قرونُ ليلى *** رفيفَ الأقحوانةِ في نداها

فلما سأله قيس وألزمه القسم، قال زوجها:

اللهم إذ حلفتني… فنعم

عندها تقول الرواية قبض قيسٌ على الجمر بكلتا يديه، فما تركه حتى سقط مغشيًا عليه

وتساقط الجمر ملتصقًا بلحم راحتيه، وعضّ شفتيه حتى قطعهما، ثم فاضت روحه

هذه القصّة فيها مبالغة لا يقرّها عقل من أنّ قيسًا قبض على الجمر بكلتا يديه حتى أغمي عليه

وسقط الجمر ملتصقًا بلحم راحتيه، ثم عضّ شفتيه فقطعهما… ثم مات

ومثل هذه الروايات تُظهر كيف أنّ الأدباء والرواة كثيرًا ما ينسبون إلى الشعراء قصصًا مشتعلة بالخيال

فيختلط ما كان حقيقةً بما لم يكن

حتى تغدو الرواية أصلًا يُحتكم إليه، ويغدو الشعر ظلًا يُؤوَّل على ضوئها

صدق الشعر بين التجربة والخيال

ليس بالضرورة أن يكون الشعر صادقًا فقط لأن الشاعر عاش التجربة بنفسه

فصدق الشعر لا يُقاس دائمًا بمرور الشاعر بالحدث حرفيًا

بل بقدرته على تصويره بصدق شعوري وفني

فالشعر، في جوهره، ليس سردًا لوقائع، ولا توثيقًا لحكايات حب أو فواجع واقعية

بقدر ما هو فعل وجداني شاق، ومعاناة داخلية يعيشها الشاعر في أعماقه

الصدق في الشعر هو صدق الإحساس لا صدق الحدث

قد لا يكون الشاعر قد عاش الفقد، أو الحب، أو الحرب

لكنه يستطيع أن يتخيلها بعمق، ويفهم مشاعرها الإنسانية

وينقلها بلغة تمس القارئ وتجعله يرى نفسه فيها

وهذا ما يُسمّى بالصدق الفني، وهو جوهر التجربة الشعرية الحقيقية

الخيال جزء أصيل من الشعر، بل أحد أعمدته الكبرى

فلو اشترطنا أن يعيش الشاعر كل ما يكتبه

لما وُجد شعر عن الأساطير، ولا عن البطولات التاريخية، ولا عن التجارب الإنسانية العامة

الشاعر هنا يشبه ممثلًا بارعًا؛ لا يُشترط أن يكون قاتلًا ليؤدي دور القاتل بإقناع

بل يكفي أن يمتلك الحس والقدرة على التقمّص

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التجربة الشخصية تمنح النص عمقًا إضافيًا

حين يكتب الشاعر من تجربة عاشها

غالبًا ما يكون التعبير أكثر حرارة، والتفاصيل أدق، والألم أو الفرح أكثر حضورًا

ولهذا نشعر أحيانًا أن بعض القصائد “خرجت من القلب” مباشرة إلى القلب

غير أن المعاناة الشعرية ليست مرهونة بصدق القصة

بل بصدق الإحساس، وبقدرة الشاعر على استنزاف ذاته ليمنح النص حياة

فالشاعر المتمكن، حين يكتب، يدخل حالة من الاستنفار النفسي والوجداني

يستحضر مشاعره العميقة، ويعيد تشكيلها لغةً وصورةً وإيقاعًا

وهذا عمل مُرهق، سواء كان منطلقه خيالًا صرفًا أم تجربة معاشه

ولعل هذا ما يفسر حياة العزلة التي يعيشها بعض الشعراء المبدعين

وما يرافقها من فرط الحساسية والحزن الكامن

لا بوصفه تصنعًا، بل أثرًا جانبيًا لاحتكاك دائم مع الداخل الإنساني بكل تناقضاته

فلا غرابة أن تتحول الكتابة عند بعضهم إلى أرق طويل، وإنهاك ظاهر، وانقطاع عن النوم

وكأن الجسد يدفع ثمن ما يُنجز في الروح

وقد يكون التعب الجسدي أهون عليه من هذا الاستنزاف الوجداني

الذي تفرضه لحظة الكتابة الصادقة

ومن هنا يمكن القول إن الشعر الحقيقي هو ما خرج من رحم هذه المعاناة

وما سواه وإن استوفى الشكل والوزن يبقى كلامًا جميلًا لا يمس الوجدان ولا يعبّر عنه بعمق

سواء كان خياله واسعًا أم واقعه حاضرًا

فالعبرة ليست في القصة، بل في الصدق الشعوري الذي يسكب الروح في النص

ويجعل القارئ يقول: كأن الشاعر يتكلم عني

في علاقة الشاعرية بالمعاناة: قراءة نقدية غير اختزالية

يشيع في الخطاب الأدبي رأيٌ مفاده أن الشاعرية وليدة المعاناة، وأن الألم شرط جوهري لولادة الشعر الحقيقي

وهذا الرأي يحمل قدرًا معتبرًا من الصواب، غير أنه لا يرقى إلى مرتبة الحقيقة المطلقة

ويحتاج إلى ضبط مفهومي ونقدي

أولًا: هل تولد الشاعرية من المعاناة؟

يمكن القول: نعم، ولكن على نحو جزئي لا حتمي

المعاناة العميقة كالفقد، والحرمان، والمرض، والمنفى تسهم في تنمية الحساسية الشعورية

وتكسر التبلّد، وتُعمِّق الانتباه إلى التفاصيل الوجودية، وهو ما ينعكس في التجربة الشعرية

لدى كثير من الشعراء ويشهد تاريخ الشعر العربي على نماذج واضحة:

-        المتنبي: صراعه الوجودي وطموحه القَلِق

-        أبو العلاء المعري: العمى والعزلة والفلسفة التشاؤمية

-        بدر شاكر السياب: المرض، والفقر، والاغتراب

غير أن استقراء هذه النماذج لا يفضي بالضرورة إلى تعميم سببي صارم

فالمعاناة ليست شرطًا كافيًا ولا لازمًا لإنتاج الشعر

ثانيًا: بين الشعور الحقيقي والتخييل الفني

من الخطأ الخلط بين صدق التجربة الواقعية وصدق التجربة الفنية

فالشاعر ليس ملزمًا بأن:

-        يجوع ليكتب عن الجوع

-        أو ينكسر ليكتب عن الانكسار

الشعر في جوهره فن التقمّص والتخييل، لا تسجيل وقائع أو كتابة يوميات

والقيمة الشعرية تُقاس بقدرة النص على إقناع المتلقي شعوريًا، لا بمدى تطابقه مع سيرة الشاعر

 الصدق في الشعر ـ خصوصًا الشعبي ـ ليس شهادة واقع ولا محضر ضبط، بل هو صدق إحساس وتصوير

فحين يقول الشاعر:

(البارحة ما نمت من كثر همّي)

فهو لا يُسأل: هل نام فعلًا أم لا

السؤال النقدي هو: هل أقنعنا بالهم؟ هل أوصل الشعور؟

إن فعل ذلك، فقد صدق فنيًا، حتى لو كان قد نام قرير العين

لأن الشعر لا يطلب مطابقة الحدث، بل مطابقة الأثر

وهذا ما يسمّيه النقد الأدبي:

الصدق الفني مقابل الصدق الواقعي فالصدق الواقعي يُحاسَب بالوقائع

أما الصدق الفني فيُحاسَب بما يتركه من أثر في النفس

وباختصار شعبي:

الشاعر ما يكذب إذا بالغ، يكذب إذا ما أقنع

ثالثًا: بين الشاعر المتشنّج والشاعر المتزن

التفريق الشعبي بين ما يُسمّى بـ«شاعر الحماقة» والشاعر المتزن على بساطته يعبّر عن فرق نقدي حقيقي

شاعر الصدام، والفخر الفارغ، وصناعة الأعداء الوهميين غالبًا ما يستعيض بالضجيج عن العمق

أما شاعر الحكمة والرؤية الإنسانية، فنتاج وعي وتجربة وتأمل، لا مجرد ألم عابر

والتاريخ الأدبي يؤكد أن:

إذن ليس كل معاناة تُنتج شعرًا جميلًا، وبعض المعاناة لا تُنتج سوى القسوة وضيق الأفق

رابعًا: هل يتعارض الشعر الحقيقي مع الحياة الرغيدة؟

القول بأن «الشعر الحقيقي لا يجتمع مع الحياة الرغيدة» قولٌ تعميمي غير دقيق.

فثمة أمثلة تاريخية تنقضه بوضوح:

-        أبو تمام: عاش في كنف البلاط، وكتب شعرًا مركّبًا وعميقًا

-        أحمد شوقي: حياة ميسورة، وتجربة شعرية كبرى.

-        نزار قباني: لم يعرف الفقر المدقع، ومع ذلك أنتج شعرًا إنسانيًا مؤثرًا

الفارق الحقيقي لا يكمن في الفقر أو الغنى، بل في:

عمق الوعي - صفاء الحس - القدرة على التأمل

قد يُضعف الترف أحيانًا الدافع، لكنه لا يقتل الموهبة بالضرورة

خلاصة نقدية متزنة

1-     المعاناة قد تُغذّي الشاعرية، لكنها ليست شرطها الوحيد

2-     التخييل عنصر جوهري في الشعر

3-     الصدق الفني أسبق من صدق التجربة الواقعية.

4-     الفقر ليس شهادة اعتماد شعرية، كما أن الغنى ليس تهمة أدبية.

إن الشعر الحقيقي يصدر عن إنسانٍ حساس، واعٍ، صادق مع ذاته سواء تشكّل هذا الوعي عبر الألم

أم عبر تأمل طويل وعميق في الحياة

بين الحقيقة والخيال… يقف الشعر في منتصف الضوء

يتبيّن مما سبق أنّ الشعر يعيش في مساحةٍ لا تطالها يد الجزم، ولا تُقيَّد بقيود الواقع

إنه فنّ يولد من العاطفة، وقد تصنعه تجربة صادقة مرّ بها الشاعر

وقد يولد من شرارة خيال لم يعشها إلا في أعماق نفسه

من هنا يولد الشعر كفنٍّ حرّ، لا يعترف بحدودٍ صارمة ولا يخضع لمنطقٍ كامل

قد ينبثق من عاطفةٍ صادقة، وتجربةٍ عاشها الشاعر حتى آخر نبضها

وقد يتشكّل من شرارة خيال لم تعرف الوجود إلا في أعماق روحه

ويبقى الشعر معلّقًا في منطقةٍ لا تطالها يدُ المنطق تمامًا

ولا يستأثر الخيال وحده بحقيقتها ولا مفاتيحها الكاملة إنه يقف في منتصف الضوء

حيث تتداخل الحقيقة بالوهم، وتمتزج التجربة بالتصوّر

وتتساوى الذكرى بما لم يحدث قطّ إلا في غياهب النفس

 فما الشعر إلا مرآةُ قلبٍ قد يلمع في المرآة ما عاشه الشاعر فعلًا

أو ما كان يتمنّى أن يعيشه

أو ما لم يكن ليحدث أصلًا لولا أن روحه اشتاقت إليه

إنه مساحةٌ حرةٌ لا يحكمها سوى صدق الشعور، لا صدق الوقائع

فالشاعر حين يكتب لا يبحث عن واقعةٍ يثبتها، بل عن نبضةٍ يوقظها

ولا يُطالَب بإثبات حقيقة الحدث، بل بإيقاظ حقيقة الإحساس

وكذلك المتلقّي لا ينشد حقيقةً تاريخية، بل عاطفةً تمسّ القلب

فلا يهمّه أن يكون الحدث قد وقع، بقدر ما يهمّه أن يجد صداه حيًّا في داخله

وأن ينعكس فيه صدى العاطفة

لهذا ظلّ الشعر عبر العصور أقدر الفنون على خلق عالمٍ بديل

عالمٍ يولد فيه الحنين من كلمة ويُبعث فيه الوجع من صورة

وتتنفس فيه الأرواح ما لا يطيقه الجسد

فالحقيقة وحدها لا تكفي لتصنع شعرًا خالدًا، والخيال وحده يعجز عن لمس القلب

أمّا الشعر الحقّ، فهو ذاك الذي يجمع وهج الخيال وعمق الإحساس

وتلتقي فيه الروحان:

حقيقةٌ تُضيء السطر، وخيالٌ يُشعل المعنى.

وهنا فقط… يبدأ الشعر

ودمتم بخير

orent

ابوعبدالعزيز





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق