الخميس، 13 أغسطس 2026

لماذا يستدعي الشعراء رجال الدين في حضرة الحسناء؟

 


 لماذا يستدعي الشعراء رجال الدين في حضرة الحسناء؟

تمهيد

لطالما كان جمال المرأة المُلهم الأوّل والشرارة اللاهبة لقريحة الشعراء على مرَّ العصور

حيث تسيّدت (المبالغة) منصة البيان كأداة بلاغية جامحة لإبراز ذلك الحسن الطاغي

ولعلّ من أعجب أفانين هذه المبالغة وأكثرها إثارة للدهشة هو إقحام الشعراء لرجال الدين

والعُبّاد والزهّاد في محراب قصائد الغزل استقصاءً في بيان أن هذا السحر والجمال عصيٌّ على

المقاومة، حتى ممن نذروا حياتهم لعمارة المساجد والصوامع بالتبتّل والاعتكاف إذ أن الراهب

في صومعته يمثل قمة الانقطاع عن الدنيا لذا كان الهدف الأسهل لسهام الشعراء لإثبات قوة الجمال

قراءة في توظيف (الهيبة) في حضرة الجمال

لم يكن استدعاء الشعراء منذ عصر امرؤ القيس والنابغة الذبياني وصولاً إلى العصر الحديث

لشخصيات دينية: كـ الراهب، والزاهد، والشيخ، والإمام في قصائد الغزل أمراً عفوياً أو مجرد

زينة لفظية، بل هو تكتيك فني ذكي وأداة تعبيرية بالغة الأثر تهدف إلى قياس (قوة الزلزال)

الذي يسببه جمال المرأة في النفوس البشرية

فالشاعر هنا لا يبحث عن مجرد وصف، بل يبحث عن أقصى درجات المبالغة الفنية المقبولة

ولكي يثبت أن هذا الجمال خارق للعادة ولا يُقاوم فإنه يضعه في مواجهة أصعب اختبار ممكن:

مواجهةُ رجلِ دينٍ نذرَ حياتَه للعبادة، وتجلّت فيه أسمى صورِ الزهدِ بعد أنِ انقطعَ عن الدنيا

وأعرضَ عن ملذّاتها فإذا اهتزت حصون هذا العابد أمام سحر المرأة فكيف بحال الإنسان العادي؟

دواعي استدعاء شخصية الزاهد في الغزل: أبعادها الفنية والنفسية

إن لجوء الشاعر إلى إدخال شخصية المتعبد (سواء كان راهباً أو شيخاً أو زاهداً)

في فلك الغزل ليس مجرد لعبة لفظية عابرة، بل هو تكتيك فني ونفسي مُركّب يخدم النص الأدبي على عدة مستويات:

أ – قياس شدة التأثير

يتخذ الشاعر من الزاهد المتبتل مقياساً ومعياراً (ترمومتر) لإثبات قوة الجمال وعصف الهوى

فالجمال الذي يحرك الإنسان العادي أمر مألوف أما الجمال الذي يُخضع (أشد القلوب حصانة ومقاومة) فهو المعجزة البصرية الحقيقية

إن وضع (الزاهد الصارم) في مواجهة (العاطفة العاصفة) يبرهن على جدارة الجمال بالانتصار المطلق

ب – صناعة المفارقة الصادمة والتوتر الدرامي

يُحدث هذا الاستدعاء تصادماً فنياً ناعماً بين عالمين متناقضين:

  • عالم الروح، الخشوع، السكون، والوقار
  • عالم الجسد، الفتنة، الاضطراب، والوجد

هذا الخروج المفاجئ للمتعبد من حالة الخشوع والمثالية إلى حالة الحيرة والاضطراب يُنشئ

دراما شعرية مشحونة بالتوتر مما يعظّم أثر النص في نفس المتلقي ويخرجه من نمطية الغزل التقليدي

ت- إضفاء البُعد الروحي و(قداسة الجمال)

ينتشل هذا التوظيف النص الأدبي من سطحية الغزل الحسي العابر إلى آفاق التأمل

حيث يبدو الجمال وكأنه (معجزة إلهية) قادرة على إخضاع القلوب الملتهبة

وبذلك يتحول تأمل الحسن إلى حالة شبه روحية ويُصبح الجمال نفسه مظهراً من مظاهر القداسة

شواهد من الشعر القديم والحديث:

أولاً: العصر الجاهلي والعصور الإسلامية (سطوة الحسن وتطور رموزه):

تضرب جذور هذا الأسلوب البياني الجريء عميقًا في وجدان الشعر العربي منذ الجاهلية

حيث كان الشعراء الأوائل سبّاقين إلى تصوير ذلك (الزلزال العاطفي) الذي يرجُّ أركان القلوب

المستعصية، متخذين من صوامع الرهبان والمتبتلين مقياسًا لسطوة الجمال الطاغي ثم ما لبث

هذا المعنى أن امتدّ عبر العصور الإسلامية والمتأخرة حيث اتخذ الشعراء شخصيات دينية تمثل

(حراس الفضيلة) والوقار في المجتمع الإسلامي كالقاضي، والمفتي، والفقيه، والناسك

وأصبح إيقاع هذه الشخصيات في حبائل الجمال في نظر الشعراء دليلاً قاطعاً على سلطة

الحسن الأقوى من سلطة الدين والمنطق ولم يكتَفِ الشعراءُ بتجريد هؤلاء الزهّاد من أثواب

الهيبة والنسك، بل جعلوا سلطان الجمال حاكمًا على عقولهم ووقارهم تصديقًا لقول جرير حين

وصف قهر العيون للرزانة والمهابة:

يَصرَعنَ ذا اللُّبِّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ *** وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا

فإذا كان (ذو اللُّب) وهو صاحب العقل والحكمة يُصرع أمام هذا السحر

فكيف بمن يجمع مع العقل مهابة النسك ووقار التدين؟

لقد تضافرت الصور الشعرية وتعددت مشاربها في توظيف هذا الأسلوب البياني المثير بين قديم

الشعر وحديثه إذ لم يكن هذا المسلك وليد العصور المتقدمة، بل تكرر كثيرًا في عيون الشعر

 العربي لبيان هذه السطوة القهرية للجمال ويأتي في مقدمة هؤلاء الشاعر امرؤ القيس

الشاعر امرؤ القيس (رائد الصورة الشعرية)

وتتجلى هذه الريادة والتفوق الفني بأبهى صورها في معلقة امرؤ القيس

حيث تجاوز التشبيهات التقليدية المستهلكة ككواكب الليل والقمر ليصنع مشهدًا مبتكرًا يجمع بين

السحر الحسي والعمق البصري في قوله:

تُضيءُ الظلامَ بِالعِشاءِ كأنّها *** مَنارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ

لم يستدعِ امرؤ القيس الراهب هنا ليرسم صورة أخلاقية، بل ليستغل الأبعاد الرمزية والبصرية لخلوة العابد 

محولًا وجه المحبوبة إلى مصدر إشعاع يتغلب على السواد في أسلوب سينمائي سبقت به الصورة الشعرية زمانها

إذ تجلى هذا السبق في:

  • تجاوز المألوف وإحداث الصدمة البصرية: حيث لم يكتفِ امرؤ القيس بنسب الضياء للوجه، بل شبّه نضارة
  •  بشرتها وصفاءها بسراج الراهب المشتعل في عمق الليل الدامس وهو تشبيه غير مطروق ينقل الجمال من مجرد وصف شكلي إلى قوة ساطعة تشق وحشة الظلام
  • دقة التوقيت واقتناص اللحظة: تتجلى البراعة في اختيار وقت العِشاء وهو مبدأ الليل وهبوط الظلمة حيث تكون الحاجة إلى النور في أوجها، مما يضاعف من أثر هذا الإشراق ويبرز قدرته على قهر العتمة فور حلولها
  • دلالة التبتل والصفاء: والتعبير بـ المتبتل (المنقطع للعبادة) يمنح المشهد جوًا من السكون والهدوء والسطوع الخالص من كل شائبة. وكما كانت العرب تستدل بأنوار صوامع الرهبان في الأسفار ليلاً، جعل امرؤ القيس ضياء محبوبته هاديًا ومحييً للمكان، متخذًا من أقصى مظهر للضياء الثابت في الصحراء مقياسًا يزن به شدة الإشراق والجمال

وليس استدعاء الشعراء للرموز الدينية كالراهب والشيخ والناسك عند الحديث عن الجمال

 مجرد صدفة لغوية أو مبالغة شكلية، بل هو أسلوب بلاغي ونفسي عميق يعتمد على المقابلة بين متناقضين:

أعلى درجات الوقار الروحي والانقطاع عن الدنيا

وأعلى درجات الفتنة والجمال المادي

وتتحقق أبعاد هذا الاستدعاء في الشعر العربي من خلال ثلاثة أصول رئيسة:

  • قياس العظمة والسطوة: العابد أبعد الناس عن الفتنة وأشدّهم تحصينًا لنفسه، فإذا تزعزع هذا الزهد أو استُنير بضياء الحسناء، كان ذلك إثباتًا مطلقًا لجمالٍ تقهر سطوته الطبيعة البشرية مهما بلغت تقواها
  • إبراز الضياء والنور الداخلي: تشبيه حسن المرأة بالنور الذي يهتدي به العابد في خلوته يضفي على الجمال هالة من التألق الباهر والصفاء الفني
  • صناعة المفارقة الدرامية: التضاد بين جلال الدين وحيرة الجمال يخلق شحنة وجدانية يلتقي فيها عالم الروح بالجمال الحسي في نقطة انبهار واحدة

ومن الشعر الجاهلي أيضاً (شعر الفصحى القديم)

الشاعر النابغة الذبياني

استدعى النابغةُ الذبياني رجالَ الدين والزهاد (كالراهب، والشيخ الأشمط) في حضرة الحسناء

لغرضٍ بلاغيّ وجماليّ يُقاس به أثر الجمال وتُثبت سطوته المطلقة

ومقتفياً نهج امرئ القيس الجريء، اتخذ النابغةُ في معلقته من محراب الرهبنة مقياساً لفتنة محبوبته

حين صوّر وهجَ جمالها يغوي الراهبَ ويخرجه عن وقار صومعته، ليؤكد أن هذا الجمال يذهبُ بعقول أكثرَ الناس نُسُكاً

فيصوّر بدقة بالغة كيف يمكن لهذا الحسن الطاغي أن يفتن الشيخ الناسك، ويستدرجه من عزلة

التبتل إلى ذهول التأمل، فقال:

لَوْ أَنَّهَـا عَرَضَـتْ لِأَشْمَـطَ رَاهِـبٍ *** عَبَـدَ الْإِلَـهَ صَــرُورَةٍ مُتَعَبِّــدِ

لَرَنَا لِبَهْجَتِهَـا وَحُسْـنِ حَدِيثِهَـا *** وَلَخَالَهُ رُشْـداً وَإِنْ لَمْ يُرْشِـدِ

يرى النابغة أن هذا الراهب العجوز الذي أفنى عمره في محرابه

لو لمح محبوبته لقطع صلاته ليرنو إليها مذهولاً ليوحي النابغة للمتلقي بأن هذا الحسن لم يفتن مجرد عابد عابر

بل زلزل وقار السنين وصموت العبادة الممتدة حتى جعل الراهب يرى في الغواية رُشداً وهداية

فالشاعر النابغة الذبياني لم يكتفِ بوصف الجمال وصفاً مجرداً

بل قاسه بـ (رد فعل) أبعد الناس عن الفتنة وهو (العابد)

إذ يمثل رجل الدين المتعبّد الذروة في الزهد والامتناع عن الشهوات والانشغال بالآخرة

فإذا استطاع هذا الحسن أن يفتنه أو يجعله يلتفت

فهذا دليل قاطع على أن الجمال تجاوز الحدود البشرية المألوفة وأصبح قوة قاهرة لا يُقاومها أحد

تعليق على أبيات النابغة الذبياني:

وظّف النابغة الذبياني هنا أقصى درجات التبتل البشري وقدم في هذين البيتين نموذجاً بديعاً لهذا الأسلوب البلاغي:

1.    تراكم صفات الامتناع: لم يكتفِ النابغة بذكر (راهب) فقط، بل زاد عليها صفاتٍ تُحكِم غلق أبواب الفتنة أمامه

      فهو (أشمط) كبر سنّه وشاب شعره فخبت فورة الشباب وعَبَدَ الإلهَ: مستغرق في التعبد 

و(صَرُورة)أي: لم يعرف النساء قط وانقطع تماماً عن الملاذ

2.    لحظة الانكسار أمام الحسن: رغم كل هذا الدرع الإيماني والزهدي بمجرد أن تعترض هذه الحسناء طريقه

        يحدث التغير المفاجئ  لَرَنَا لِبَهْجَتِهَا أي أدام النظر إليها مشدوهاً 

(وَلَخَالَهُ رُشْداً) رأى أن افتتانه بها هو عين العقل والصواب

3.    المبالغة المقبولة (الإغراق البلاغي): البيت الثاني يوضح كيف يُذهب هذا الجمالُ العقلَ

                    فيجعل رجل الدين يرى الفتنة رشاداً، مما يعكس سحر الجمال ورونق الحديث

الذي يتجاوز البصر إلى السمع والإحساس

هذا التوظيف البلاغي جعل البيت من عيون الشعر العربي في باب الغزل والمدح بالجمال

وصار سنّة درج عليها شعراء الجاهلية والإسلام وما بعدهما

(كقول جرير كما أشرنا سابقاً:  يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به....)

.....

1-    أشمط: خالط الشيبُ سوادَ شعره، فانطفأت فيه طيش الشباب لكبر سنه

2-    صرورة: تبتل وانقطع عن النساء، ولم يحج.

3-    عَبَدَ الإلهَ متعوِّذاً متعبِّداً : زاد بها تأكيد استغراقه في الطاعة

العصور الإسلامية والأموية والعباسية

القصيدة الشهيرة المنسوبة لـ (مسكين الدارمي)

وهو صاحب أشهر قصة تسويقية في تاريخ الأدب العربي وظفت الدين بالجمال

(قصة الخمار الأسود)

وقد وضف الشاعر الدين بالجمال حين كسد الخمار الأسود

حيث لجأ إليه تاجر لم يبع خُمُره السوداء، فنظم هذه الأبيات

القصة تخبرنا أن العابد ترك صلاته واعتزل محرابه وراء صاحبة الخمار الأسود

فقال شاعرنا للناسك المتعبد:

ليثبت أثر الجمال على النُسّاك، فبيعت كل الخُمُر:

قُلْ لِلْمَلِيحَةِ فِي الْخِمَارِ الْأَسْوَدِ *** مَاذَا صَنَعْتِ بِزَاهِدٍ مُتَعَبِّدِ؟

قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلَاةِ ثِيَابَهُ *** حَتَّى قَعَدْتِ لَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ

رُدِّي عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ *** لَا تَقْتُلِيهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ

وفي العصر الأندلسي، (أوج الفصاحة والمبالغة الفنية)

الموشحات الأندلسية

ومن أكثر الشواهد شهرةً وسرياناً على ألسنة الناس في هذا الباب

بيتانِ طالما نُسبا خطأً وزوراً إلى أمير شعراء الجاهلية امرؤ القيس

في القصيدة الطنانة التي مطلعها (تعلّق قلبي طفلةً عربيةً (...

بيد أن التحقيق الأدبي والنقدي الصارم يثبت أن هذه الأبيات أبعد ما تكون عن العصر

الجاهلي وإنما هي نتاج متأخر من زمن الموشحات الأندلسية وتحديداً من العصرين

الأندلسي أو المملوكي وهو ما يتجلى في كثرة الجناس والزخارف اللفظية 

والتصنيع البديعي الصارخ في بقية أبياتها

والبيتان المقصودان اللذان يخصان موضوعنا هنا ويصفان سحر عيون المعشوقة بفتنة

تزلزل أركان أشد الناس تنسكاً قولهم:

لَهَا مُقْلَةٌ لَوْ أَنَّهَا نَظَرَتْ بِهَا *** إِلَى رَاهِبٍ قَدْ صَامَ لِلَّهِ وَابْتَهَلْ

لَأَصْبَحَ مَفْتُوناً مُعَنًّى بِحُبِّهَا *** كَأَنْ لَمْ يَصُمْ لِلَّهِ يَوْماً وَلَمْ يُصَلِّ

وقفة نقدية وتحليلية

يُعد هذان البيتان من عيون الغزل اللطيف والمبالغة الشعرية المستملحة

إذ يذهب الشاعر إلى تصوير نظرة واحدة من عيني محبوبته كفيلة

بأن تفتن عابداً متنسكاً وتنسيه عمره الذي أفناه بين الصيام والتبتل كأنه ما سجد لله قط

إضاءة تاريخية على نشأة الموشحات:

ظهر فن الموشحات الأندلسية وتطوّر في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)

تقريباً إبّان عصر الإمارة الأموية في الأندلس ووفقاً للمراجع التاريخية الثبت

يُنسب ابتكار هذا الفن الغنائي إلى الشاعر مُقدَّم بن معافى القَبْري

في عهد الأمير عبد الله بن محمد المرواني

وقد شهد هذا النمط ازدهاراً كبيراً وبلغ ذروة نضوجه وشاعريته لاحقاً في عصور تالية

لاسيما في (عصر الطوائف) (القرن الخامس الهجري)

على أيدي بعض المغنين في هذا الفن كالشاعر عبادة بن ماء السماء

الشعر النبطي والشعبي (الخيال الأصيل)

وفي الشعر النبطي تم توجيه الخطاب إلى المطوع أو الشيخ لبيان قوة أثر المحبوب وشدة فتنته

حيث يُتخذ الرجل الصالح أو ذو الحكمة ركناً صلباً يُقاس عليه مدى الذهول والافتتان

ولم يبتعد الشعراء النبطيون عن هذا الخيال البلاغي

كما يبدو جليّاً في هذه الأبيات التي تصف أثر (سارة)

 

المَطوّع لَوْ يِشُوفْ خْدِيدْ سَارَة *** طَبَّقْ المَصْحَفْ وَعَجَّلْ بِالصَّلاَةِ

وَلَّعَتْنِي بِالهَوَى وَالحُبِّ سَارَة *** دَلَّهَتْنِي عَنْ غَنَادِيرْ البَنَاتِ

لَيْتْ مَنْ يِفْطِرْ عَلَى رِيقِكْ يَا سَارَة *** مِثْلِ العَسَلْ وَاللهْ عَلَى فَكَّةِ الرِّيقِ

رِيقْ سَارَة مِثْلِ سُكَّرْ فِي غَضَارَة *** أَوْ حَلِيبْ أَبْكَارِ عُرْبٍ مُسْمَنَاتِ

عَقْبْ مَا هُوَ شَيْخْ وَرَاعِي إِمَارَة *** صَارْ فَلاَّحٍ أُمُورُهْ هَيِّنَاتِ

تأملات حول سحر التضاد في هذه الأبيات

1-    البلاغة بالمفارقة (المطوع والشيخ): تتجلى عبقرية الشاعر الشعبي في استحضار الشخصيات الأشد ثباتاً وزهداً في المجتمع كـ (المطوّع) أو (الشيخ راعي الإمارة) ليجعل من جمال (سارة) زلزالاً يربك هذا الثبات إن تعجيل الصلاة أو تطبيق المصحف هنا ليس مجرد مبالغة، بل هو تجسيد لحظي لذهول العقل وانخفاض الصوت الخارجي أمام طغيان الحضور الجمالي

2-    عذرية التشبيه وبيئته: لم يستعر الشاعر صوراً غريبة عن بيئته البدوية؛ بل غرف من معينها البكر. فتحوّل الريق إلى عسلٍ على فكة الريق، وحليبِ أبكرا عربٍ مسمنات هي صور حسية ينبض فيها النقاء والجودة، وتتذوق فيها روح الصحراء طعم الارتواء بعد الصدى

3-    انقلاب الأحوال (من السلطة إلى البساطة): في البيت الأخير، ينحدر المنحنى الدرامي بأناقة مدهشة: من شيخٍ راعي إمارة إلى فلاحٍ أموره هينات هذا التحول لا يعكس ضعفا، بل يعكس طواعية العاشق فالجمال يستل سيف السلطة من يد صاحبه، ليعيده إنساناً بسيطاً يكتفي بأقل القليل في حضرة من يحب

سُلطان المَجاز

في عالم الأدب والشعر، لا تُقاس قيمة النص بمدى مطابقته الحرفية للواقع العلمي أو الشرعي

بل تقاس بمدى قدرته على هز وجدان المتلقي وإثارة دهشته

 ومن هذا المنطلق، فإن النص الأدبي لا يقف عند حدود التقرير المباشر، بل يتجاوزها إلى:

البحث عن أقصى درجات المقارنة:

عندما يريد الشاعر أن يثبت أن امرأة ما بلغت ذروة الجمال..

فإن ذهن الأديب لا يتجه إلى مقارنتها بإنسان عادي قد تغلبه شهوته أو تضعف نفسه بسهولة

بل يتجه الخيال فوراً إلى (النقيض الأقصى) وهو العَابِدُ التَّقِيُّ الَّذي كَرَّسَ عُمرَهُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ

مُتَحَصِّناً في مِحرَابِهِ، مُتَسَامِياً عَن مَغْرِيَاتِ الدُّنيَا

تجاوز الحدود الإنسانية:

دخول المتدين هنا هو حيلة بلاغية تسمى (المبالغة الفائقة)

فالشاعر يريد أن يقول إن هذا الجمال يملك (قوة قاهرة) تتجاوز الطبيعة البشرية

فإذا كانت الحصون الروحية المنيعة التي بناها هذا العابد عبر سنوات من الصيام والتبتل

والابتهال قد انهارت بنظرة واحدة

فإن ذلك لا يعيب العابد بقدر ما يعكس القوة الأسطورية لهذا الحسن

أعذب الشعر أكذبه:

هذه القاعدة النقدية القديمة تلخص (خيال الأدب)

فالشاعر هنا لا يكتب تقريراً قضائياً ولا يفتي فتوى شرعية

بل يصنع لوحة سريالية يتداخل فيها المحراب بالشفاه والعيون

ليخلق صدمة فنية تخلد الأبيات في الذاكرة

واقع الإيمان والسمو الروحي

وعند هذا المنعطف النظري، نفترق في ساحة الوعي وصحوة الواقع

فلا ينبغي لنا أن نأخذ هذا التخييل الأدبي المجنّح على أنه حتمية إنسانية

بل ندرك بيقينٍ راسخ أن العبادة الحقيقية والصلة الوثيقة بالله

تصنع نفوساً أبية وقلوباً مستعصية على الغواية

إن القلوب التي تعلقت بالجمال الأزلي الباقي، لا تزعزع ثباتها نظرة عابرة

ولا تعبث بحصونها العيون الفاتنة

لأنها أبصرت من جلال الخالق ما صغّر في أعينها فتنة المخلوق

إنها باختصار دعوة للموازنة الرشيدة

وأن نتذوق الشعر بآذان أدبية تستعذب الخيال ومجازه

ولكن نزن الحقائق بعقول وقلوب مؤمنة تعتصم بالواقع وجلاله

على الضفة الأخرى، يقف (واقع الإيمان) بقواعده الراسخة وصورته الحقيقية

التي تُصَحِّح المفاهيم وتزن الأمور بميزان الحق والمنطق

العبادة حِصن وليست نقطة ضعف

في واقع الإيمان لا يكون القرب من الله مجرد رداء خارجي يخلعه المرء عند أول هبة ريح

العبادة الحقيقية والزهد ليسا كبتاً مؤقتاً ينتظر الانفجار

بل هما (إعادة صياغة للنفس البشرية) المؤمن الصادق يرى الفتنة،

لكنه يملك بداخله جهاز مناعة روحي مستمد من امتثاله لقوله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

وهو ما يجعله يرى العاقبة لا اللحظة العابرة

حلاوة الإيمان تفوق لذة النظر:

 يغفل خيال الشعراء عن حقيقة إيمانية كبرى

وهي أن العابد عندما يغض بصره امتثالاً للأمر الإلهي لا يشعر بالحرمان أو الكبت

بل يعوضه الله بحلاوة يجدها في قلبه تفوق بكثير متعة النظر إلى الوجه الحسن

فالإيمان واقع حي، يُكسب صاحبه قوة تمكنه من الانتصار على غريزته لا الهزيمة أمامها

التشخيص الدقيق (مرض القلب)

واقع الإيمان يضع النقاط على الحروف؛ فمن يهتز ويفتتن ويترك عبادته من أجل نظرة

يثبت أن دينه كان قشرة خارجية، وأن باطنه خالٍ من اليقين وبالتالي

فإن الفتنة لم تصرعه لقوتها الطاغية، بل صرعته لأن قلبه كان هشاً وفيه مرض في الأصل

فالإنسان التقي ثابت والمنفلت مفتون في كل حال

orent

أبوعبد العزيز