سلالة الصبر وكبرياء الطين
حينَ تصنعُ الأيامُ إنسانًا وتأخذُ
بيدهِ رياحُ القسوةِ، يصيرُ صلباً كالصخرِ وعريقاً كالأصالةِ
تماماً كما يحدثُ على رصيفِ الأيامِ
القاسيةِ حيثُ لا ينمو الوردُ الضعيفُ
بل تنبتُ أشجارُ السنديانِ التي لا
تطأطئُ رأسَها للعاصفةِ؛ فالرياحُ القويةُ هي التي تصنعُ الأشجارَ الصلبةَ
هناك بشرٌ لم يولدوا وفي أفواههم
ملاعق من ذهب، بل ربتهم الظروف الصعبة فوُلدوا وفي قلوبهم جمرٌ من تحدٍّ
فطحنوا الصخر بأيديهم لينحتوا مجداً
لا يزول، مؤمنين بأن الدنيا تُؤخذ غلاباً ولا تُنال بالتمني
لم يَتعلّموا الشهامةَ درساً، بل
وُلِدوا وهي بَصمتُهم الخفيّة في هذا العالم
إنهم سلالة الصبر، الذين فُطِموا على
مرار الظروف، فلم تزدْهم المرارة إلا عذوبةً في النفس، وأنفةً في الجبين
لقد علموا أن في تقلب الأحوال تُعرف
جواهر الرجال
وأن المحن تمتحن المعدن الحقيقيَّ
فتجليه صافياً قوياً على عكسِ من نعمَ بلينِ العيشِ ورخائهِ
فالمحن ما هي إلا جراحٌ يمرّ من
خلالها النور إلى أعماقهم.
ومن عاش في كنفِ الصعابِ تعلم كيف
يقفُ وحدَه دون أن يميلَ أو ينكسرَ تحتَ وطأةِ الفشلِ
بل يتعلم كيف يعتمد على نفسه كبحّارة
مهرة صقلتهم البحار الهائجة
لذا، لا تقترب منهم بمكر، ولا تحاول
العبث في مساحاتهم الخاصة
فالذي توضأ بدموع الصعاب وصلّى في
محراب الكفاح، لا ترهبه خفافيش الظلام، ولا تخدعه الأقنعة المزيفة
فتجاربُ الحياةِ تمنحُهم البصيرةَ
التي تجعل العاقل يقرأُ وجوهَ الناسِ ونواياهم من نظرةٍ
فلا ينخدعُ بالزيفِ البرّاقِ
إن عروقهم لا تجري بالدم وحده، بل
يجري فيها كبرياء الطين، وعزة النفس التي تُورث ولا تُشترى
إن صمتوا، فصمتُهم حكمة العارف
بالبواطن، وإن نطقوا، فكلماتهم سهامٌ تصيب كبد الحقيقة
لأنهم عاشوا بيقين المتنبي حين قال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم (1)
من ربتهم الأيام لا يعرفون التهور، بل تأتي
ردودُ أفعالِهم حاسمةً، واعيةً، وموزونةً بميزانِ الحكمةِ
يعرفون متى يبتسمون في وجه العاصفة ومتى
يضربون بكف من حديد
فالضربات التي تلقوها ولم تكسر
ظهورهم جعلتهم أشد قوة
بعد أن دفعوا ثمن وعيهم الغالي من
سنوات عمرهم
....
1- 1- قال المتنبي: لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ
كُلُّهُمُ *** الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقْدَامُ قَتّالُ
يقول أحد العصاميين:
ولِدتُ في بيئةٍ معدمة بين جبالٍ لا
تنبتُ إلا الصخر، ولم يكن في بيتنا ما يسدُّ الرمق
فتربيتُ على السعي المبكر وطحن الصخر
بيدي
عملتُ في صغري في حفر الآبار ونقل
الحجارة تحت الشمس الحارقة لأوفر ثمن كتبي وأقلامي
وسط سخرية من حولي ممن استسلموا
للفقر
دفعتُ ثمن وعيي سنواتٍ من السهر
والغربة والعمل المضني؛
حافياً في بداياتي لكنني عزيز النفس
لا أمد يدي لأحد
حتى استطعتُ من قلب تلك المحن أن
أؤسس صرحاً علمياً وأهلياً ينتفع به الآلاف
وحين سُئلتُ في كبري عن سر نجاحي، لم
أذكر الشهادات
بل قلتُ:
إن الجوع في صغري علمني كيف أقرأ
نوايا البشر، والعمل في الصخر علمني ألا أخشى العواصف
تأملات في عمق التجربة
عباراتٌ صاغَتها شدّة العيش وشحذَتها
صوارم الأيام
فالجوعُ حاسّةٌ حدسية تنفذُ إلى ما
وراء الأقنعة، والجهدُ المضني يكسو النفسَ درعاً لا تفلّه النازلات
إنها رؤيةٌ عميقة تُختصر في بُعدين:
1- فراسة الفقد (الجوع): الحرمان في الصغر يُلزم المرء باليقظة المبكرة
فيتعلم التمييز بين العطف الصادق والشفقة المزيفة ويكتشفُ دوافع الآخرين قبل أن تتجلى في أفعالهم
2- صلابة التحدي (العمل): مواجهة المهام الشاقة والمباشرة مع صعوبات الحياة
تُسقط الخوف من الصدمات الفجائية فمن طحنَ الصخر بيديه لم تعد تفزعه ريحٌ عابرة
orent
أبو عبد العزيز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق