الأربعاء، 20 يناير 2021

ابن تيميه الذي غفلنا نحن عنه




أبن تيمية الذي غفَلّناَ نحن عنه

الامام المجدد والعالم الجليل شيخ الاسلام القائم ببيان الحق ونصرة الدين  

العلامة الحافظ الزاهد وارث الانبياء وآخر المجتهدين

محي السنة وقامع المبتدعين الذي قامت به على أعدائه الحجة

تقي الدين أبي العباس أحمد أبن عبدالحليم بن تيمية الحراني

661- 728 هجري

مقدمة بين يدي الموضوع

واجه الاسلام عوائق من أهمها أمران

الأمر الاول ظهور التشيع

لقد بذل الصحابة رضوان الله عليهم جهود جبَّارة لنشر السنة النبوية 

في الأمصار المفتوحة

واستطاعوا أن يحفظوا سُنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينقلوها إليهم

فنقلوا القرآن والسُّنة أقوالًا وأفعالًا وتقريرًا إلى تلك الامصار

من غير زيادةٍ أو نقصان وبذلك حَفِظ الله هذا الدين

وفي خلافة عثمان رضي الله عنه زادت الفتوحات واتسع الأمر

فلو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الإسلام ما قدر أن يحصيها

  وبقي اثني عشر عامًا حتى مات رضي الله عنه

وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض يعلوا

عندما ظهر رجل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ جاء من اليمن

أظهر اعتناق الإسلام ثم أخذ يَكيد للإسلام

ذهب إلى مصر فوجد بها أعواناً ثم جاء بعد ذلك إلى مقر الخلافة الإسلامية

وأخذ يبث الفتنة ويعلن عن آرائه التي أخذها عن الديانة اليهودية

وزعم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصياً

وأن وصيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وقال بعقيدة الرجعة والغيبة وتناسخ الأرواح وغير ذلك من البدع

ثم زعم أن علي أبن أبي طالب أولى بالخلافة

اعتنق هذه الآراء أُناسٍ معه أظهروا التشيّع لتغطية هذا المذهب الكُفري

 الذي جاءوا به وسُمُّوا بالسبئية

زعموا محبة أهل البيت وغلوا في علي رضي الله عنه

وادّعوا الوصية بالخلافة له وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى له بها

وقالوا بفرض إمامة علي ورجعته

وبدأت تنتشر هذه الاعتقادات الفاسدة التي تُسمَّى عقيدة الرجعة

 الأمر الثاني :

 الاجتياح التتري لبلاد المسلمين  بقيادة جنكيز خان

في نكبه عظيمة نزلت بالمسلمين سنة 617 هجرية 

في مجازر ودمار عظيم لبلاد المسلمين

بدأوا ببخارى ثم اجتاحوا سمرقند التي كانت مدينة من حواضر الإسلام العظيمة 

فدب الرعب في قلوب المسلمين

ودخل التتار المدينة وطلبوا من الجنود الاستسلام وتسليم سلاحهم ودوابهم والأموال 

وعند استسلامهم قتلهم التتار جميعا

وفعلوا بسمرقند كما فعلوا في بخارى فقتلوا العباد وانتهكوا الحرمات 

واحرقوا الجامع الكبير وتركوا المدينة خرابا

في عام 656 هجرية قام (هولاكو) باقتحام مدينة بغداد حاضرة الدولة العباسية 

وعاصمة الخلافة الاسلامية  بعد أن حاصرها 12 يومًا فدمَّرها وأباد مُعظم سُكَّانها

وشكَّل اجتياح المغول لِبغداد كارثةً كُبرى للمُسلمين بعدما دمروا معالم الحضارة 

والعُمران فيها من مساجد وقُصور وحدائق ومدارس ومُستشفيات

فاحترقت الكثير من المُؤلَّفات القيِّمة والنفيسة في مُختلف المجالات العلمية والفلسفية  

والأدبيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة بعدما أضرم المغول النار فيها

 وبسُقوط بغداد انتهى العصر الذهبي للإسلام

إن سُلطة الخُلفاء العبَّاسيين في هذا الوقت كانت قد ضعًفت وانحسر نُفوذهم 

حتَّى أصبح يقتصر تقريبًا على مُعظم العراق وأجزاء من فارس

أمَّا بقيَّة العالم الإسلامي فلم يكن لهم سوى الدُعاء على منابر المساجد 

بعد أن حدثت عدَّة انفصالات إداريَّة عن الدولة العبَّاسيَّة 

في الشام ومصر وفارس والأناضول

يقول أبن كثير:

( أنَّ الجيش العبَّاسي المُدافع عن المدينة كان لا يبلغ أكثر من عشرة ألاف فارس 

وصفهم بـ القلَّة ونهاية الذلَّة)

وقال المُؤرِّخ بدرالدين العيني :

(أنَّ المغول كانوا يستدعون الأكابر من دار الخِلافة فيخرُج الواحد منهم بِعياله ونسائه 

فيأخُذونهم إلى مقبرة الخلال ويذبحونهم كما تُذبح الخرفان ثم يأخذون بناتهم وجواريهم)

وقد تعاون شيعة بغداد مع المغول انتقامًا من الخليفة العباسي المستعصم 

وعلى المسلمين السنة في بغداد

ويذكر المؤرخون أن الخليفة العباسي المُستعصم لجأ إلى وزيره ابن العُلقُمي (شيعي) 

وسألهُ :  مَا تَدبِيرُ أَمرِنَا ؟

 فأجابهُ ابن العُلقُمي ببيت شعرٍ يقول فيه:

يظُنُّون أنَّ الأمر سهلٌ وإنَّما *** هو السيفُ حدت للإمرِ مُضاربة

وبعدما رتب ابن العلقمي  مع هولاكو بمعاونة نصير الدين الطوسي 

على قتل الخليفة واحتلال بغداد

على أمل أن يسلمه هولاكو إمارة المدينة 

إلا أن هولاكو قام بقتل ابن العُلقُمي بعد تدمير بغداد 

وفي يوم الجُمُعة 11صفرعام 656هجرية

 دخل هولاكو قصر الخليفة وأمرهُ أن يدُلَّه على كُنوزه 

فدلَّهُ الخليفة على أحواضٍ تحت ساحة القصر مملوءة بالذهب الأحمر فأخذها هولاكو

فما جمعهُ بني العبَّاس خلال خمسة قُرونٍ من أموال أصبح غنيمةٍ للمغول

كان لِسُقوط بغداد دويٌّ هائلٌ وعميقٌ في مُختلف أنحاء العالم الإسلامي

واهتزَّ الحُكَّام المُسلمون في المناطق المُجاورة لِهذا الحدث الجلل

وتعرَّضت وحدة العالم الإسلامي لِضربةٍ قاسية

 جعل خِلافة المُسلمين شاغرة يتطلَّع إليها كُل زعيمٍ طموحٍ من المُسلمين

ويُشيرُ بعض المُؤرخين الايرانيين المُعاصرين

إلى أنَّ الغزو المغوليّ لِبغداد وإسقاط الخِلافة العبَّاسيَّة 

كان بداية استقلال إيران وانفصالها عن التأثير العربي القوي

الذي بدأ مُنذ أيَّام الفتوحات الاسلامية وُصولًا إلى العهد المغولي

على أنَّ الهويَّة الإيرانيَّة لم تتبلور تمامًا وتنفصل عن الهويَّة العربيَّة الإسلاميَّة

إلَّا في عهد الشاه إسماعيل الصفوي

غزوا المغول للشام 

 كانت الدولة الأيوبية تحكم الشام ومصر وليبيا والنوبة ما عدا المماليك الصليبية

وصل المغول جنوبا حتى  فلسطين وقد سحقوا بواسطة جيش المماليك 

بقيادة السلطان قطز في معركة عين جالوت 

فتراجع المغول من فلسطين الى داخل سوريا وهزموا في  سوريا في معركة حمص

ثم عاد المغول في 10 ذي القعدة 675 هجري 

بجيش ضخم يقارب 80 ألفا غالبيتهم من جورجيا بقيادة ملكهم ديمتريوس

التقى الجيشان جنوب مدينة حمص وثبت جيش المماليك بقيادة السلطان قلاوون 

ثبتوا ثبات المستميت فدمروا قلب الجيش المغولي وهي معركة حمص الثانية

التي حصلت بتاريخ 29 أكتوبر 1281م

بعدها بعام مات أباقا وخلفه أخوه أحمد تكودور 

الذي غير سياسته بعد إشهار إسلامه وفضل التحالف مع المماليك والمسلمين 

واستمرت الحروب سجالا في الشام  

 مولد شيخ الاسلام أبن تيمية

ولد شيخ الاسلام أبن تيمية  في سنة سبع وسبعمائة هجرية

وشارك في معركة شقحب وهي من المعارك الفاصلة بالتاريخ الإسلامي 

ضد المغول بعد عين جالوت

وهي المعركة الوحيدة التي شارك فيها شيخ الاسلام أبن تيميه

وكان له الفضل في تشجيع الناس والشد على عزيمة الحكام

وكان على رأس جيش دمشق الذي حارب وهزم المغول 

وطاردهم شرقاً في داخل سورية حتى نهر الفرات  فهزم المغول 

على يد جيش المسلمين هزيمة ساحقة وطردوا من الشام إلى الأبد

على أثر تلك الحروب بدأ بريق عقيدة أهل السنة والجماعة بالخفوق 

في جميع بلاد المسلمين وانتشر الكثير من العقائد الباطلة والمنحرفة 

شمل ذلك العوام والعلماء على حد سواء

في هذه الفترة فقد فيها المسلمون أو كادوا يفقدون معالم الطريقة 

التي تهديهم إلى الحق في غمرة من المحن واشتداد من الخطوب والابتلاءات

وكثرت فيه البدع والضلالات وسادت كثير من المذاهب الباطلة

واستفحلت الشبهات وانتشر الجهل والتعصب والتقليد الأعمى

وظهرت البدع والشركيات خاصة حول القبور والمشاهد والمزارات المزعومة

والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى وأنهم ينفعون ويضرون 

ويُدعون من دون الله وانتشرت الفلسفات والإلحاد والجدل وهيمنة التصوف 

والطرق الصوفية الضالة على العامة من الناس

ومن ثم انتشرت المذاهب والآراء الباطنية وتوغل الروافض في أمور المسلمين 

ونشرهم للبدع والشركيات وتثبيطهم للناس عن الجهاد  

كان المجتمع الإسلامي فيها قد وصل إلى صورة يعجز القلم عن تصويرها

ونجد صور عصر أبن تيمية جلية واضحة من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا اليوم

إن أبن تيمية نهض بعبء الإصلاح للواقع المرير الذي تمر به الأمة الإسلامية

فبعث الحياة في الفكر الإسلامي بعد جمود أصابه

وأيقظ حياة كادت معالمها المشرقة أن تختفي بعد أن عمها الركود

وصدع بما عرف من الحق فبين للناس دينهم دون غش أو خداع أو تلبيس

ولم يتزعزع عن قول كلمة الحق

في حين كان عصره تتسيده الأزمة الكلامية والعقدية وحروب التتار والصليبيين 

مما جعل شيخ الإسلام أبن تيميه محل جدل ومادة للصراع بين التيارات المختلفة

 دخل في العديد من المواجهات والصراعات الفكرية مع الأشاعرة 

ومع الخوارج ومع الفلاسفة من سبقوه ومن كان في عصره

لا يترك فرقة أو مذهب أو علم إلا وكان له رأى فيه

حياه شيخ الاسلام أبن تيمية

إن حياه شيخ الاسلام أبن تيمية منذ القرن السابع الهجري الثاني عشر الميلادي 

حتى يومنا هذا

جعلت منه حاضراً في عالم اليوم أكثر من الأئمة الأربعة

ومما يؤسف له ان المتلقين لفتاوى أبن تيمية اليوم 

لهم دورهم البارز ليس في فهم النص فحسب بل في بناء النص وكتابته ابتداء

والذي كان حاضراً في الخطاب الشرعي في مواقف المتشددين

وتلقتها الجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش على امتداد خارطة العنف العالمي

واستخدمته سيفاً تسله على الخصوم وشيخ الاسلام أبن تيميه منه براء

إذ لم يفهموا ابن تيمية في سياقات مختلفة باعتبارهم الفاهمين الوحيدين له

ولم يرجعوا للعلماء حيث قال الله تعالى:

(..فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

إن عملية الفهم ليست كتلة واحدة يمكن تحصيلها من قراءة أي نص معرفي

بل هو درجات تتفاوت من قارئ لآخر

وادعاء امتلاك الفهم الكلي للنص بمعرفة ظاهره وباطنه ومراد قائله 

أمر متعذر في غالب الأمر

فكيف إذا كان النص المراد فهمه مئات من المجلدات

كما لا يخلوا استخدام آراء أبن تيمية في الخصومات الفكرية والعقدية 

والنيل من أهل السنة والجماعة من قبل أعداء الامة 

خصوصاً العلمانيين والشيعة

ومما يؤسف له أيضا أن شخصية أبن تيمية لم تنل ما ناله 

التصوف أو الفلسفة أوالإشراق من اهتمام 

سواء في جهود المتفلسفة العرب أو دارسي الفلسفة

إلا أن بعض المستشرقين بدأوا الاهتمام بمؤلفات أبن تيميه

وعكفوا على دراستها والاستنباط منها

   أسباب الهجوم على أبن تيميه

 إن الهجوم على شيخ الإسلام ابن تيمية سابقا وحاضرا له أهدافاً غير معلنة

ومتعمد بسبب اخفاقاتهم واعتمادهم أقصى قدر من الأكاذيب على ابن تيمية

ولكنها لا تخفى على أحد لأن ابن تيمية له اثره الكبير 

في الدفاع عن أهل السنة والجماعة 

وله إسهامات جليلة في بيان حقائق الإسلام ومواجهة أهل الانحرافات العقدية  

ونصره للسنة النبوية وقمعه لأهل البدع والخرافات الفكرية

بعد ما كاد أن يضيع أهل السنة في زحام البدع والخرافات بالزيادة والنقص

إن أهل البدع  يعلمون أن سر قوة أهل السنة 

ينبع من عقيدتهم الصافية وتوحيدهم الخالص

لذلك يحاولون جاهدين تفريغ أهل السنة من حصنهم الحصين 

ومعقلهم المتين وعقيدتهم السلفية النقية الصافية 

فكشف أبن تيمية زيفهم في كتابه الفذّ (منهاج السُّنَّة(

ورد على (الحلّاج) في فتاواه تعقيباً على فلسفة الحلّاج على الحلول والاتحاد

ثم ردوده على الصوفية ومناهجهم الباطنية التي شوهت جمال الدين

فأعطوا بعض البشر مكانة مقدسة غير مستحقة

ورده على المعتزلة الذين ينفون عن الله تعالى جميع الصفات

وكان ردّه عليهم من وجوه كثيرة واستقصى في إيراد الحجج النقلية والعقلية

ومن أبرز ردوده كتابه الشهير:

(الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)

ثم رده على فخر الدين الرازي الذي يُنكِر صفة العلوِّ لله تعالى والردود كثيرة

إن علم أن تيمية لم يقتصر على عصره بل أمتد علمه الى عصرنا الحاضر

وأصبحت كتبه تشع في بلاد المسلمين اليوم

وامتدت لتصل الى بلاد الغرب وطرقت أبوابه

وهذا ما أغاض خصومه اليوم الذين نهجوا نهج اسلافهم

لا لمعاقبته جسديا كما فعل أسلافهم من قبل

بل محاربة فكره اليوم وازالة مؤلفاته من المكتبة الإسلامية 

ومن العقول والفطرة السليمة 

ولكن هيهات هيهات أن يغلبوه


يا ناطح الجبل الأشم بقرنه *** رفقاً بقرنك لا رفقاً على الجبل


ان محاربة اعداء الأمة لابن تيمية هي محاربة لعقيدة أهل السنة والجماعة

ومحاربة منهج الوسطية والاعتدال وإحياء الفكر الظلامي

والوسطية هنا لا كما يدعيها الاخرون اليوم الذين تمسكوا بشعار الوسطية 

بمدلوله اللغوي لا الشرعي الاسلامي

فابتكروا وسطية محدودة من عند أنفسهم بمدلول جديد ابتكروه

إن الهجوم على أبن تيمية هو الرغبة للرجوع لعهود التيه والضلال 

والانحطاط الفكري واغلاق أبواب الاجتهاد الرباني 

واحياء للبدع والفكر الباطني الفارسي

وهو منهج دعاة الباطل بالالتجاء الى أساليب ملتوية 

يروجون بها لكذبهم على مخالفيهم دون الافصاح عن معتقدهم الحقيقي 

وهو الغاء السنة النبوية

 وينزعون الألفاظ من سياقاتها ليوهموا الناس بصدق منهجهم

وعندما عجزوا عن مقارعة أبن تيمية بالحجة

ألبوا عليه السلاطين مرة ومرة أخرى بالكذب والتدليس

فينسبون إليه عقائد وأقوالاً متلاعبين بالعبارات

 ومرة بكتابة التقارير الكيدية التي تنم عن رداءة في نفوسهم 

واخلاقهم وسوء معدنهم فادعوا ادعاءات لم يثبت منها شيء

ولما يأسوا من ذلك كله وضعوه في السجن بعدما ضاقت أنفسهم به


يقول أبو الأسود الدؤلي 

حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ *** فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ

كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها *** حَسداً وَبَغياً إِنَّهُ لَدَميمُ


إن المتأمل في عقلية منتقديه من السطحيين وخاصة 

من العلمانيين والرافضة والملاحدة العرب 

ليستغرب من موقفهم من شخصية شيخ الاسلام أبن تيمية العدائية

 أبن تيمية رجل عبقري تَغَفَّلَت أمته عنه

إن المسلمين اليوم ممن يحملون هذا الإرث العظيم 

الكثير منهم يجهل هذا الإرث ولم يلتفت اليه وغفل عنه 

في حين أن المستشرقين في الغرب يسابقون الزمن للاستفادة 

من كنوز ابن تيمية الثمينة

يقول أحد المستشرقين

أن ابن تيمية رجل فذ لم يتكرر في تاريخ أمة المسلمين مثله

بل لم يكن له شبيه في أي أمة أخرى

وإن تأثير فكر ابن تيمية في الفكر الغربي واضح

لقد ركز المستشرقين المحاضرات التي تشرح للناس شخصية أبن تيمية

منبهرين من عقلية شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله

وقد عكفوا على دراسة كتبه

حتى قال أحدهم إن أبن تيمية رجل عبقري تَغَفَّلَت أمته عنه

ويقول هنري لاوست:

 أن كتاب )السياسة الشرعية( لابن تيمية 

كان دستور (دولة المماليك) في عهد (قلاوون)

وكان ينفذ ما فيه حرفيًا في عهد النهضة الكبيرة لدولة المماليك في ذلك الزمن

وتقول المستشرقة الألمانية كوج جان :

إن نقد ابن تيمية سابق لعصره للمنطق الارسطي في أوجُه النَّقد 

التي وجَّهها ابن تيمية للمنطق الأرسطي

وابن تيمية أول من نقد المنطق الاوسطية

الذي كان سبب في تأخر النهضة الأوربية قبل ان ينتقده الأوربيون أنفسهم

وخاصَّة تلك الانتقادات الَّتي تفرَّد بها شيخ الإسلام ابن تيمية

ثم تتساءل وتقول هل الحضارة الغربية تأثرت بهذا النقد ؟

الذي انتج المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الغربية

ويقول الدكتور جون هوفر 

من جامعة توتنهام وهو أحد المستشرقين الذين عكفوا على دراسة 

فكر شيخ الإسلام ابن تيمية بكل دقة في كتاب صدر له 

ضمن سلسلة (صناع العالم الإسلامي) وعنوان الكتاب (ابن تيمية(

وفي ختام مقدمة كتابه قال:

(أن هدفه من كتابه هو تقديم صورة أدق عن ابن تيمية من خلال رصد تاريخي

لحياته وفكره استنادًا إلى الأبحاث الحديثة

ثم يقول :

(إن ابن تيمية شخصية عصرية يقف في منطقة وسط بين بداية الإسلام وحاضره

وصاحب أبرز نصيب في الرد على الأديان في الإسلام 

وله مواقف في الرد على الشيعة (الرافضة) 

وله موقف من الأضرحة والدعاء عندها

وسببت له السجن والاعتقال عدة مرات وسببت له مشكلات كثيرة)

استمعوا له في هذا الفيديو :

https://youtu.be/vMZUkTuSx7c

 

وكتب المستشرق جون ميشوت

الذي اعتنق الاسلام وتخصص في دراسة تراث وشخصية شيخ الاسلام ابن تيمية 

وترجم بعض اعماله

وهو استاذ الفكر الاسلامي والعلاقات المسيحية الاسلامية بجامعة هارت فورد في امريكا

وكان استاذ العلوم الاسلامية واللغة العربية بجامعة اكسفورد في بريطانيا

واستاذ التاريخ والشعر واللغة العربية بجامعة لوفان ببلجيكا سابقا

يقول ميشوت :

 ولكن حينما تبدأ قراءة أعمال أبن تيمية 

سترى ان اولئك الذين أساءوا استخدام نصوصه لأغراض إرهابية 

يقرأون فقط النصوص المجتزأة من كلامه التي دعا فيها للمقاومة في سوريا 

ضد احتلال المغول الذي كان في القرن الثالث عشر

ومن هنا يبدأون استغلال هذه النصوص التي كانت نصوصا 

تخص مقاومة وطنية ضد محتل

ثم يستخدمون أي (المتطرفون) هذه النصوص للدعوة

الى قتل حكام المسلمين الجورة

ولكن عندما تنظر في نصوص ابن تيمية الاخرى 

ستجد أنه كان من أوفى الشخصيات للمماليك والسلاطين 

الذين كانوا في الحكم آنذاك رغم أنهم ليسوا بأفضل من المغول

فتدرك أن شخصية ابن تيمية عند هؤلاء المتطرفين محصورة 

في بضع صفحات قليلة كتبها ضد الاعداء

ولكن إذا نظرت وتحققت في كتاباته كلها 

والتي من الميسور جدا أن تطلع عليها في أي مكان

ستجد في الحقيقة أنك أمام شخصية هي من أعظم علماء الدين الاسلامي 

وفي نفس الوقت شخص لديه مسلك وتناول وسطي جدا للدين

وهذا ما قاله جون ميشوت في هذا الفيديو :

 

الفيديو الاول :
https://youtu.be/H7eR_81vghE

تكملة الفيديو:

https://youtu.be/O_2DgxHd4MI

 

قال ابن كثير:

(وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخويي

وابن دقيق العيد، وابن النحاس، وابن الزملكاني، وغيرهم

ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها

وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، 

وكتب على مصنف له هذه الأبيات:

ماذا يقول الواصفون له *** وصفاته جلّت عن الحصر

هو حجة لله قاهرة *** هو بيننا أعجوبة الدهر

هو آية في الخلق ظاهرة *** أنوارها أربت على الفجر

وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة ) 

انتهى كلامه من كتاب البداية والنهاية

تعامله مع مخالفيه

إن الزاد الذي كان يتزود به ابن تيمية في مواجهة أعداءه

هو خلقه وعلمه وصبره وحسن أدبه مع مخالفيه

ومعروف أن اعداءه ما بين أشعري وصوفي ورافضي

ومع ما هم عليه من بدع وما قاموا به تجاهه بأن بدعوه وفسقوه وكفروه

وأحلوا سفك دمه وكل ذلك مقصده ما ذكره الحافظ البزاز:

(سبب عداوتهم ـ أي خصوم ابن تيمية ـ له أن مقصودهم الأكبر

طلبُ الجاه والرئاسة وإقبال الخلق ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك 

ما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل 

فنصبوا عداوته وامتلأت قلوبهم بمحاسدته)

 وسبب آخر ذكره الحافظ البزار حين قال:

(ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا روئي ساعياً في تحصيل المباحات

مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره

خاضعين لقوله وفعله، وادّين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم

مظهرين لإجلاله، أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله)

وقال عنه  ابن فضل الله العمري:

(وكان ابن تيمية لا تأخذه في الحق لومة لائم، وليس عنده مداهنة

وكان مادحه وذامه في الحق عنده سواء)

وذكر المؤرخون :

أنه كان منصفا وعادلا مع أعداءه

ففي الفتنة التي كانت بين الحنابلة والأشاعرة من وحشة ومنافرة 

قال ابن تيمية عن أبن مخلوف :

(وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها 

وإقامة كل خير وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه

ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله 

هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور 

فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عوناً للشيطان

على إخواني المسلمين ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه

لكن هذه مسألة قد فعلوها زوراً والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة 

في دينهم ودنياهم ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى الله 

والاستغفار والتوبة وصدق الالتجاء 

فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله) 

مجموعة الفتاوى، ج3 ص271

كما عرف عنه الجرأة الكبيرة في الحق والافتاء بعقل واعي وحجة بيِّنة

ومن الاقوال المأثورة عنه رحمه الله قوله:

(ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه(

لم يكن أبن تيمية يقول شيئاً للخاصة مختلفاً عما يقوله للعامة

بل كان القول عنده واحداً يقول عن نفسه:

(وما كتبت شيئاً من هذا ليكتم عن أحد ولو كان مبغضاً)

وقال رحمه الله :

(مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله) 

قال ابن القيم :

)وقال لي مرة ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أنى رحت فهي معي

لا تفارقني إنّ حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة( 

قال ابن عبدالهادي:

(فلما كان قبل وفاته بأشهر ورد مرسوم السلطان 

بإخراج ما عنده كله من كتب ولم يبق عنده كتاب 

ولا ورقة ولا دواة ولا قلم

وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه يكتبها بفحم

وقد رأيت أوراقا عدة بعثها إلى أصحابه وبعضها مكتوب بفحم)

وهذه آخر رسالة كتبها ابن تيمية قبل وفاته بنحو شهر ونصف يقول فيها:

(ونحن ولله الحمد والشكر في نعم عظيمة تتزايد كل يوم 

ويجدد الله تعالى من نعمه نعماً أخرى وخروج الكتب كان من أعظم النعم

فإني كنت حريصاً على خروج شيء منها لتقفوا عليه 

وهم كرهوا خروج الأخنائية 

(أي كتابه الذي رد فيه على الإخنائي الصوفي)

فاستعملهم الله تعالى في إخراج الجميع وإلزام المنازعين بالوقوف عليه

وبهذا يظهر ما أرسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق

فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس

فإذا ظهرت فمن كان قصده الحق هداه الله ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة الله)

سبحان الله أراد خصومه أن يحبسوا كلمته الحرة الصادقة حتى لا تصل للناس

لكن مرادهم خاب وخسر فظهر شيخ الاسلام ابن تيمية وطارت كتبه في الافاق 

ووصلت الى اقاصي المشرق والمغرب 

فكتبت عنه الاف الكتب وأصبح اسمه على كل لسان

وهذه بقية خير مما تركه الأولون على أمتداد نحو ثمانية قرون 

من عام 661 حتى عام 1442

حوت خمساً وسبعين صحيفة مشرقة من صحائف الابرار 

مدونة من خمسه وسبعين كتاباً من كتب السير والتاريخ والاخبار

أوعبت أكثر من سبع مئة صفحة كتبها خمسة وخمسين عالماً من علماء الاسلام 

من شتى الاقطار على اختلاف مذاهبهم الاسلامية وتنوع مشاربهم العقدية 

كل حسب وسعه ومبلغ علمه

 https://up4net.com/download200554.html

 رحم الله شيخ الاسلام ابن تيميه فقد كان صاحب المنهج الوسط العدل الصحيح الصافي

أخذ مشربه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تعرف له بدعة

 وتعرض للعديد من المحن على يد سلاطين المماليك في مصر والشام

بسبب آرائه الأصولية والهجوم على الصوفية

وهم لا يرضون إلا بقتله بعد أن كفروه وأهدر بعضهم دمه

سجن عدة مرات ثم جاء سجنه الأخير الذي مات فيه

رحم الله  ابن تيمية فقد كان صاحب المنهج الوسط العدل الصحيح الصافي

أخذ مشربه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تعرف له بدعة

ولد سنة سبع وسبعمائة هجرية وتوفي بدمشق سنة سبع وسبعين وسبعمائة هجرية

  

orent

ابوعبدالعزيز


الأحد، 17 يناير 2021

الاندلس والسقوط الاموي


أن الهدف الاساسي من الفتوحات الإسلامية كان لتأمين الدولة الاسلامية 

من المتربصين بها من الفرس والروم وتقوية الجبهة لدرأ الخطر المحدق بالدولة

من كل مكان وكان الهدف نشر الدين الاسلامي

 فبعث الله محمد صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى توحيده بالسَّيف بعد دعائه بالحُجَّة

لان الجهاد شعيرة من شعائر الإسلام

وبلغ الحث على الجهاد في الكتاب العزيز مبلغاً عظيماً

وفي السنة النبوية أيضا وعن ابن عمر رضي الله عنهما : 

أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم قال:

بُعِثْتُ بين يَدَيِ السَّاعة بالسَّيف، حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، وجُعِلَ رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذَّلُّ والصَّغار على مَنْ خالَف أمري، ومَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم

ومعنى قوله: (بُعِثْتُ بالسَّيْف بين يَدَيِ السَّاعة) أي: أنَّ الله بعثه داعيًا إلى توحيده 

بالسَّيف بعد دعائه بالحُجَّة

لم يكن المغزى لاستغلال تلك الدول واضطهاد شعوبها أنما لتكون كلمة الله هي العليا

فالمسلمين وجدوا أنفسهم مكلَّفين بتبليغ الناس الإسلام وإن هذا التبليغ

لا يكون الا في جماعات ومكان يتجمع الناس فيه

واتجهت الدعوة إلى الشام والعراق ومصر وأفريقيا الى حيث تكون الحضارة

وأماكن التمدن فيها

ولم تكن الحبشة ضمن الممالك التي وجَّه المسلمون إليها حملاتهم في ذلك العهد الأول

الذي شهد الفتوحات الإسلامية العظيمة لنشر دين الإسلام

وذلك راجع إلى أسباب عدة من أهمها :

1- تركيز المسلمين على كسر شوكة الإمبراطوريتين المجاورتين لبلاد العرب

واللَّتين يُخشى منهما على الدولة الإسلامية الناشئة

وهما إمبراطورية الفرس والإمبراطورية الرومانية الشرقية

2- اعتبار المسلمين أن الشام والعراق ومصر أكثر أهمية من الحبشة لمركزها المهم 

وسبقها في ميدان الحضارة والعمران

3- قُرْب عهد المسلمين بالعَلاقات الطيبة التي كان للنجاشي فيها فضلٌ مشكور 

حتى أنه  يُروى أن النبي نَصَحَ بِتَرْكِ الأَحْبَاشِ وشأنهم طالما أنهم لم يبدؤوا بالعدوان

فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: 

اتركوا الحبشةَ ما تركوكم ، فإنه لا يستخرِجُ كَنزَ الكعبةِ إلاَّ ذو السُّوَيْقَتَينِ من الحبشة 

وعندما أمر الله نبيَّه بقوله تعالى

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67

اندفع الصحابة مضحِّين بأموالهم وأنفسهم خارج أوطانهم لإنقاذ شعوب الدنيا 

من ذل عبوديتهم للحكام إلى عزِّ عبوديتهم لله

لكن الطواغيت سخَّروا جيوشهم المغلوبة على أمرِها لصد الدعاة المسلمين 

عن أداء هذا الأمر الرباني الذي فيه خلاص البشرية من عذاب الدنيا والآخرة 

مما اضطر المسلمين لحمل السيف ضدهم

فالإسلام رسم لنا منهجًا عامًّا في التعامل مع غيرنا من غير المسلمين

وهذا المنهج هو أن نحسن إلى مَن هم ليسوا على ديننا إذا أحسنوا إلينا 

ولم نَلْقَ منهم الأذى والعدوان 

وأمرنا الله أن نُجابِهَهم إن أظهِروا لنا العدوانَ

تكون الدولة الاسلامية

وعندما تكونت الدولة في المدينة المنورة قرر الروم إنهاء هذه القوة الاسلامية

المتكونة حديثا التي أخذت تهدد كيانهم فخرجوا في اربعين الف مقاتل 

وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم خرج لملاقاتهم في ثلاثين الف مقاتل وكان الموقع في تبوك

وأنتهى ذلك دون قتال لخوف الروم من المواجهة 

مما رسم قوة عسكرية ناشئة في المنطقة يضرب لها الف حساب

ومما جعل الامر يسوء أن حلفاء الروم من العرب تحالفوا مع الروم ضد هذه الدولة

الفتية من المسلمين

لان عرب الشمال (الغساسنة) وهم قبائل أزديّة من اليمن هاجرت مع نهاية القرن

الثالث الميلادي نحو جنوب بلاد الشام وكانت هجرتهم بَعد واقعة سَيل العَرِم

وأقاموا قبل هجرتهم على أرض تهامة عند نبع ماء يسمى غسّان

قبل أن يهاجروا الى الشام

ولهذا السبب حصلوا على اسم الغساسنة وهم أحلاف البيزنطيين الذين يجدون منهم كل عون وتشجيع

وهؤلاء الغساسنة أو عرب الشمال كما يطلق عليهم

قد قتلوا مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دعوتهم للإسلام مما جعل 

المسلمين يذهبوا لمؤته ليؤدبوا عرب الشمال (الغساسنة)

وكان ذلك في جمادى الاول  من العام الثامن للهجرة

وسبب الغزوة هو قيام  شرحبيل أبن عمرو الغساني بقتل الحارث بن عميرمبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم

الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً رسالة إلى ملك بصرى يدعوه فيها إلى الإسلام

فإذا بالمسلمين يواجهون جموع الروم الحاشدة ومن جهة أخرى العرب الغساسنة 

وقعت الغزوة في بلدة مؤته في محافظة الكرك في الاردن

وتعتبر غزوة مؤتة أول غزوة يخوضها المسلمون خارج حدود الجزيرة العربية  

صمد فيها ثلاثة آلاف مقاتل مسلم أمام مائتي ألف من الروم 

وقبائل الساسانيين العربية الحليفة لهم لمدة ستة أيام كاملة

وانتهت المعركة في اليوم السابع بعد قيام قائد الجيش خالد أبن الوليد بانسحاب 

تكتيكي ناجح وبأقل الخسائر

واستشهد في هذه الغزوة القادة الثلاث الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 

لقيادة المعركة وهم :

على الترتيب : زيد بن حارثة - وجعفر بن أبي طالب - وعبد الله بن رواحة

في هذه الغزوة تعرض المسلمون لمحنة قاسية ولولا الله وبراعة خالد ابن الوليد 

في الانسحاب لأنزل الروم في المسلمين خسائر فادحة

الخلافة الراشدة

فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اختير ابو بكر خليفة لرسول الله صلى الله 

عليه وسلم وحارب القبائل  التي اردّت عن الاسلام في ما يسمى حروب الرده

ثم نشر الدين في ما جاور الجزيرة العربية لتبليغ الشعوب في تلك البلاد

بلاد الروم البيزنطيين والفرس الساسانيين 

فسيطر المسلمون العرب  على الشام ومصر والعراق وفارس

وفي عهد الخليفة عمر أبن الخطاب أقيمت أول المدن الإسلامية كـ  الكوفه

وظلت الخلافة الراشدة ثلاثين عاما

قيام الدولة الاموية

تأسست الدولة الاموية وكانت تمتد من غربي الصين إلى جنوب فرنسا

وأقيمت المؤسسات الإسلامية  والنهضة العمرانية والمساجد والمكتبات في كل 

المناطق التي فتحها الامويون 

لتبدأ مسيرة الاعمار والنهضة التي شيدها المسلمون في تلك البلدان

وشهدت خلالها الأندلس حضارة عربية إسلامية وحركةً ثقافيّة واسعة 

تجلّت فيما تركه عُلماؤها المسلمون من آثار علمية وأدبية وفلسفية 

ومصنفات التراجم والأعلام والسير الأندلسية 

وما احتوته هذه المصنفات من فوائد تاريخية وفكرية وأدبية وسياسية واجتماعية

في الوقت الذي تخبّطت فيه أوروبّا في الجهل والتخلّف كانت الحركة العلمية 

في الأندلس تقوم على يد مجموعة من أشهر علماء الأندلس المسلمين أمثال :

1-   الإمام القرطبي

2-   عباس بن فرناس عالم الأندلس في مجال الهندسة

3-   ابن البيطار من أشهر علماء الأندلس المسلمين في الصيدلة

4-   الفيلسوف الإدريسي من أشهر علماء الأندلس المسلمين في الفلسفة ومؤسس علم 

     الجغرافيا ومصنّفا فيه 

     حتى استخدمت مصوراته وخرائطه للبحيرات والمرتفعات وحدود الدول والمدن 

     الرئيسة في سائر كشوف عصر النهضة الأوربية

5-  المهندس ابن السمح من أشهر علماء الأندلس المسلمين المختصين

     في علم العدد    والهندسة

   6-   ابن رشد شخصيّة متعدّدة التخصّصات فهو فقيه مالكيّ وقاضي القضاة في زمانه

         وطبيب  أيضاً

أن دولة بني أمية مغبونة في تقييمها وهي أعظم دولة قادت الفتوحات الإسلامية 

   وانتشلت مساحات شاسعة من الكفر الى الاسلام   

وصلت الفتوحات في عهد الامويين الى أرمينيا – وأذربيجان – وجورجيا

حتى وصلت جيوش الاسلام المجاهدة بالفتوحات الى أفغانستان – وباكستان - والهند  

وأوزباكستان - وتركمانستان - وكازخستان ومدن إسلامية عدة

كلها دخلت في الإسلام تحت قيادة أموية

يقول ابن كثير:

(كانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل الا ذلك وقد اذلوا الكفر وأهله 

وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعباً لا يتوجه المسلمون الى قطرٌ من الأقطار

الا اخذوه)

البربر وسقوط الاندلس :

حكمت الدولة الاموية الأندلس زهاء ثمانية قرون

لكن التناحرات السياسية بين العائلات الحاكمة قسمتها لدويلات متناحرة 

أدت إلى سقوط الحكم الإسلامي فيها

وكانت هذه الخلافات كارثة كبيرة بخلافة بني أمية في الاندلس

وكل هذه الأحداث من قتل ومكائد وصراعات والاستعانة بالنصارى

ثم دخول النصارى بلاد المسلمين كل ذلك كانت بمساعدة من البربرالذين دَبِّروا 

المكائد وهم أغلبية في الجيش الاسلامي إذ كانوا يُريدون الحُكم

وعندما كان هشام بن الحكم على الحُكم قام سليمان بن الحكم ومن معه من لبربر 

بعملٍ لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل

فقد هجموا على قُرْطُبَة وعاثوا فيها فسادًا وقتلاً واغتصابًا للنساء

ظلَّ سليمان بن الحكم (المستعين بالله) يتولَّى الحُكم وكان غالبية جيشه من البربر

وبعد عام واحد من تولِّيه ثار عليه حاكم مدينة سبتة المغربية ويدَعى علي بن 

حمود وقد كان من البربر

وتقول بعض الروايات بأن البربر الذين هم عماد جيش سليمان المستعين بالله 

أرادوا الانقلاب عليه ووقعت معركة بين علي بن حمود وبين سليمان المستعين بالله 

فانتصر علي بن حمود وتولى الحكم في قُرْطُبَة وقَتَل سليمان وأخاه كي يضمن ألاَّ 

يثور عليه أحد ثم تولَّى الحُكم في البلاد وتَسَمَّى بالناصر بالله وتكونت الدولة 

الحمودية في قرطبة

استقرَّ الأمر للناصر بالله علي بن حمود فبدأ بذلك عهد الدولة الحمودية في قُرْطُبَة

وقام بتعيين أخيه القاسم بن حمود على إِشْبِيلِية وأصبح البربر هم الخلفاء الذين 

يتملَّكُون الأمور في قُرْطُبَة وما حولها

غير أن الأمور لم تهدأ فكلما نُصِّب حاكم في قُرْطُبَة ثار عليه القرطبيون إن كان من 

البربر أو لم يستطع ضبط الأمور إن كان أمويًّا

لقد انتهى عهد الرجال الأقوياء من بني أمية ولم يبقَ إلاَّ ضعيف الرأي والعزم

 وقامت بعد ذلك صراعات كثيرة واستمرَّ الوضع على هذا الحال

وفي محاولة لحلِّ هذه الأزمة التي تمرُّ بها البلاد ووقف هذه الموجة من الصراعات 

العارمة

اجتمع العلماء وعلية القوم من أهل قُرْطُبَة ووجدوا أنه لم يَعُدْ هناك من بني أمية مَنْ 

يَصْلُح لإدارة الأمور

وكان زعيم هذا الرأي قاضي قُرْطُبَة البارز وصاحب التاريخ والخصال

أبا الحزم بن جهور

لقد كان أبو الحزم هذا من علماء قُرْطُبَة كما كان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة 

العقل وظلَّ الحال على هذا الوضع ما يقرب من ثلاث سنوات

كوَّن ابن جهور مجلسًا للشورى لإدارة البلاد لكن حقيقة الأمر أن أبا الحزم بن جهور 

لم يكن يُسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قُرْطُبَة فقط من بلاد الأندلس

أمَّا بقية البلاد والأقاليم الأخرى فقد ضاعت السيطرة عليها تمامًا وبدأت الأندلس 

بالفعل تُقَسَّم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يُسَمَّى بعهد دويلات الطوائف 

أوعهد ملوك الطوائف

أن مساحة الأندلس كانت ستمائة ألف كيلومتر

فإذا طرحنا منها ما أخذه النصارى في الشمال فإن النتيجة هي أربعمائة وخمسون ألف

كيلومتر مقسمة إلى اثنتين وعشرين دولة

كلٌّ منها لها مقومات الدولة المتكاملة من رئيس وجيش ووزراء وعملة وسفراء

فتفتَّتَ المسلمون في الأندلس تفتُّتًا لم يُعهد من قبلٍ في تاريخهم

وفقدوا بذلك عنصرًا مهمًّا جدًّا من عناصر قوتهم وهو الوحدة

ولو كان العنصر العربي الاسلامي الذي ظهر في فتوحات ابي بكر وعمر وعثمان 

كان بارز في فتوحات الاندلس بما يميزه من تقدير لقيمة المعلم 

وبما يميزه من القدرة على التغيير باسم المعايشة لربما تغيير الامر 

ولم تنجح حركة ما يسمى باسترداد الاندلس

أضف الى ذلك أنه في لحظة من اللحظات تم التعامل مع الاندلس على اعتبارها 

أنها جزءاً معزولا عن جسد الخلافة في المشرق وهذا له تأثير كبير في سقوط الاندلس

الخلاصة :

إن ما قام به الامويون من خير للإسلام هوعظيم

لكن الشيعة الرافضة وراء كل تشويه للخلافة الاموية ويردد كلامهم الليبراليين

اللهم أعز الاسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين

 

orent

ابوعبدالعزيز



.