طُغيان
الوهم
هَبَّتْ
رياحُ الوهمِ تَجتاحُ عابِثَةً *** تَرمي ظِلالَ الشَّرِّ في طُغْيانِهِ
وتهاجَرَتْ
أشباحُ غَيٍّ فاتِنٍ *** تُغري البصائرَ أنْ تَهيمَ بدارِهِ
وسرى
كفيفُ القلبِ يمضي غافلًا *** في دربِ ليلٍ شيَّدَ بُنيانَهُ
ونادى
رمزُ خُسرٍ يجمعُ حولَهُ *** قَوْمًا يُلَبّونَ الضَّلالَ إِعْلانَهُ
ألا
هل رأيتَ الخُسرَ يجمعُ قومَهُ *** وينفثُ فيهم سُبُلَ الغَيِّ أعانِهُ
✦✦✦
فأخذهُ
اللهُ انتقامًا قاهرًا *** فأذلَّ في لحظاتٍ منهُ شانِهِ
حتّى
إذا ضاقَ الفضاءُ بخُطوِهِ *** طاحتْ حقائقُهُ وخابَ بُرهانِهِ
ما
قالَ: ما أريكمْ سوى ما أرى *** إلّا طُغاةٌ زيَّنوا لهُ بُهتانَهُ
فاستَخفَّ قومَهُ فاتَّبَعوا خُطواتِه *** والوَهْمُ
ساقَهُمُ لِدَرْبِ عُدوانَهُ
صدَّقْتَهُ
الجُهّالُ حينَ تَصنَّعَتْ *** نفسٌ تُجمِّلُ ما جَنَى في بُهتانِهِ
مَضى
فرعونُ يَزدادُ العَمى في غَيِّهِ *** لَجٌّ يُعمِّدُ كُفرَهُ في عِصيانِهِ
✦✦✦
فَمَا
أَرْهَبَ فِرْعَوْنُ آسِيِّهِ *** عِنْدَ اِمْتِثَالِ الْقَلْبِ وَإِذْعَانِهِ
تَمْضي
بثقْلِ الحقِّ لا يَثْني إيمانها *** عَزْمٌ يُزلزلُ باطِلًا بكيانِهِ
ثبتَتْ
فما لانَتْ لِسَوْطِ تجبّرٍ *** بل واجهتْهُ بنورِها وبيانِهِ
ورأتْهُ
يرقبُ بأسَها متحيّرًا *** يمضي يضمّدُ جُرحَ كلِّ هوانِهِ
ما
خافَتِ المِحْنَ الّتي زادَتْ رِفْعَةً *** في قلبِها تُعْلي ذُرَى إيمانِهِ
حتى
غدا الطغيانُ يرجفُ خائفًا *** مِنْ ثابِتٍ أربى عليهِ بسلطانِهِ
حتّى إذا انكَشفتْ سَرادِقُ غَيِّهِ ***
جاءَتْ حقيقةُ أمرِهِ تَطوي خُسرانَهِ
وَمَا
خَشِيَ السَّحَرَةُ صَلْبًا بَاطِلًا *** عَنْ قَوْلِ حَقٍّ ثابِتٍ وكِتمَانَهُ
لَمّا بَرَتْ في
القلبِ آياتُ الهُدى *** هانَ الوعيدُ وكفَّ برقُ سِنانِهِ
ورأوا ضياءَ الحقِّ
يملَؤُ رُوحَهُمْ *** زال الخُشوعُ لِمَلْكِهِ وسلطانِهِ
قالوا لفرعونَ
الطغاةِ: لنَا إلى *** ربٍّ نعودُ بفضلِهِ وغفرانِهِ
ما عادَ يُرعِبُهُمْ
وعيدُ مُضلِّلٍ *** باعَ الهلاكَ وغذّى نارَ اِفْتِتَانِهِ
صَبَروا على البأساءِ
وهم مُوقِنُونَ أنْ *** لِلَّهِ حُسنُ العاقِباتِ وضَمانِهِ
✦✦✦
وما أفزعَ الزيتُ
المُغَلّى ماشِطَهُ *** إذ واجهتْ فرعونَ يومَ طُغيانِهِ
فصاحتْ تقولُ: لَا نَنْحَرفَ
عن هُدى *** عندَ خشوعِ القلبِ وإيمانِهِ
وقالَ رضيعٌ كانَ في
حِجْرِ أُمِّهِ *** لا الموتُ أرهبُهُ ولا أكفانِهِ
فالْقوهُ في الزيتِ
الموحِشِ مُحتَسِبًا *** فالروحُ تعلو إذْ يُطهَّرُ جُثمانَهُ
ما ضَرَّ أمًّا صدقُها
في مِحْنَةٍ *** فاللهُ يرفَعُ شأنَها وكيانَهُ
نالوا الشهادةَ
وارتَقَتْ أرواحُهُمْ *** لِلْخُلْدِ يجبرُ ربُّهُمْ خُسرانَهُ (1)
✦✦✦
ويا نَفسَ عبدٍ ما
المَعادُ بدائمٍ *** فجُدْ بالسُّرى إن كنتَ تبغي لُقيانَهُ
وإن ملأ القلبُ
الكِبَرَ واستشرى الزَّهُو *** توارى عن القلبِ الصفاءُ وإيمانَهُ
فَعُدْ لِإلَهٍ
بالمَكارمِ واسعٍ *** يُبَدِّلُ من الخُسرانِ خيرَ مكانَهُ
وفي خَتْمِ قولي أسألُ
اللهَ هَديًا *** يُنيرُ فؤادَ العبدِ تسمو جَنانَهُ
orent
أبو عبد العزيز
1- خسران تعني فَقْد، أو خَسارة، أو ما ضاع من
الدنيا والضمير (هُ) يعود على فرعون
فالمعنى:
أنّ الله يُعوّضهم يوم القيامة عما خَسِروه في الدنيا من سعادةٍ أو عافيةٍ أو أهلٍ، ويجبر كُلَّ نقصٍ وقع عليهم
ويعوّضهم عن خسارة أجسادهم التي أُحرقت في الزيت
في زمنٍ علا فيه
طغيانُ فرعون، واستحالت الرحمةُ ظلًّا بعيدًا لا يُرى
بدأت الحكاية حكايةُ
نفوسٍ صادقةٍ واجهت جبروتًا لا يعرف حدًّا
وقلوبٍ ثبتت على
نورها رغم أنفاس الظلام
آسيةُ التي قاومت
بطشَ فرعون بإيمانها، والسحرةُ الذين انقلبت قلوبهم إلى الحق لحظةَ أن أبصروا آيته
وماشطةُ ابنة فرعون
التي لم تُبدّل عهدها ولو حرّق الجمرُ جسدها
ومع كل صرخةِ ألم،
وكل خطوةِ ثبات، كانت الحقيقةُ تشقُّ طريقها وسط العتمة
لتُسقِط غرورَ
الطاغية، وتُعلن أن نور الإيمان لا تُطفئه سيوفُ الظلم، ولا يُغيّبه صخبُ الجبارين
ومع كل نداءٍ للخسر، وكل نفثةٍ للغي، كانت الأرواح تنقادُ لطوفانٍ لا يرحم
ومن هنا تتصاعدُ هذه
الأبيات، شاهدةً على شهوة الظلام حين يستولي على الإنسان
القصيدة ككل تحمل
نَفَسًا قرآنيًا واضحًا
orent
أبو عبد العزيز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق