السبت، 24 أكتوبر 2026

حتى لا يعيد التاريخ نفسه

 


حتى لا يعيد التاريخ نفسه

القرن الرابع الهجري: عصر صعود النفوذ الشيعي

لم يكن القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) مجرد حقبة زمنية مُقتطعة من عمر الزمن

بل كان عطفة تاريخية فارقة ومرحلة بالغة الدقة والأهمية في مسار الأمة الإسلامية

حيث شهدت هذه الحقبة مخاضاً سياسياً عاصفاً أعاد تشكيل خريطة النفوذ والسلطة من المشرق إلى المغرب

وقد تجلّى هذا التحول التاريخي العميق في مظهرين رئيسين:

1-    أفول المركز وانحسار الشوكة العباسية:

حين أوشكت شمس الخلافة العباسية في بغداد على الأفول وفقدت قبضتها الفعلية على الأقاليم

ليتحول الخليفة إلى نمطٍ رمزيٍ يُستحضر دينيّاً وتُسلب منه أزمة السلطة التنفيذية

مما أحدث فراغاً سياسياً أتاح للمجالات الإقليمية أن تغلي بحراك استثنائي

2-    صعود النفوذ الشيعي وتمدد الرايات:

فملأت الفراغ السياسي قوى صاعدة بسطت نفوذها على عواصم القرار الإسلامي

فانتثرت مقاليد الحكم العسكري والسياسي بين دويلات متعددة الرايات متفرقة النطاق

حيث انحسر النفوذ السني المركزي لصالح حضور شيعي طغى على المشهد المشرقي والمغربي

وتجسد في صرح الدولة الفاطمية، وسلطان البويهيين، ونشاط القرامطة، وقيام الدولة الهادوية


القوى الفاعلة في القرن الرابع

الدولة الفاطمية (العبيديةِ)

إنّ الناظر في طيات التاريخ، ومطالع الأعصار، ليقف متحققاً من سنن الله في تداول الأيام والدول

وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتحديداً في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة للهجرة

عصفت برياح المشرق والمغرب نوازلُ جسام، وبزغت في أفق الديار المصرية كوكبَةٌ غدت منافساً خطيراً وماردًا إقليمياً جَسُوراً

لقد قامت الدولة الفاطمية المعروفة في أدبيات خصومها بـ (العبيدية)، منتسبةً إلى العقائد الإسماعيلية الباطنية

حاملةً لواء دعوة عريضة اصطدمت بالخلافة العباسية السنية ونازعتها الهيمنة والنفوذ

وحين وطأ المعز لدين الله الفاطمي أرض مصر، وخطا فيها خطوَ المتمكن الواثق سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة للهجرة

طوت هذه الدولة بساط الأمور القديمة، وبسطت سلطانها المنيع على الديار المصرية

لتمتد أطرافه بعد ذلك وتطال الشام وخصيبها، وتبلغ مخالب النفوذ أجزاءً من الجزيرة العربية

فارتفعت راياتهم في وجه الخلافة السنية منافسةً لها في السؤدد والتمكين

ومنازعةً لها في قلوب الرعية وسلطان الأرض

لقد كانت تلك الحقبة مرجلًا يغلي بالصراعات العقدية والسياسية، حيث انتصبت أركان تلك الدولة الفاطمية كالسدّ المنيع

والخصم الألدّ لأهل السنة والجماعة، في مشهدٍ تاريخيٍّ أبدع فيه الدهر لوحةً من التنافس المحتدم على زعامة الأمة

تكسرت على صخورها تحالفات، وقامت في طياتها عهود طوال

سلطان البويهيين:

ولمّا دار رحى الزمان في ذلك القرن الرابع العجيب، لم تقتصر النوائب على مصر ومنابت النيل وحدها

بل امتدّت أذرع الهيمنة وتناهبت الأهواء عقر دار الخلافة الإسلامية

فإذا بأفق المشرق يشهد بزوغَ سلطانٍ آخر، شقّ عصا الطاعة وفرض وصايته الصارمة على عرش الخلافة العباسية

تلك هي الدولة البويهية، التي أشرقت شمسها الديلمية ذات المذهب الشيعي الاثنا عشري على ديار فارس والعراق

فقبل أن يعتلي الفاطميون منبر مصر، كان البويهيون قد اقتحموا بغداد المعززة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة

(334 هـ) ليقبضوا على تلابيب الخلافة ذاتها. وصار الخليفة العباسي تحت سلطانهم أسيراً في قصره

اسماً بلا مسمى، ورسمًا بلا حكم، ورمزًا بغير شوكة

فمكثوا في رقاب الأمور وزمام السلطة يعبثون بنفوذها العسكري والسياسي أمدًا طويلا تجاوز القرن من الزمان

ولكن، بقيت الخلافة العباسية على ضعفها وهوانها وتجريدها من مفاتيح الملك شعلةً سنيةً رمزيةً

جامعةً لشتات وحدة المسلمين الاسمية

في حين تفرقت دماء السلطة الحقيقية بين أيدي أولئك البويهيين في بغداد وعموم العراق وأجزاء واسعة من إيران، 

وبين طموحات الفاطميين في المغرب ومصر

ولم يكن المشهد لينتهي عند هذا الحدّ من التشظي والتنازع، بل تفتقت أرض الإسلام عن خطرٍ آخر

وفرقةٍ جعلت بأسها بين المسلمين شديداً، وتلك هي فرقة القرامطة

فرقة القرامطة:

ولم تكد الديار الإسلامية تفيق من وقعات البويهيين والفاطميين، حتى طالعتنا فرقة القرامطة بأعاصير الموت والدمار، فكانوا شجوَ الزمان وقرحةَ الأيام

لقد برزت تلك الفرقة المنضوية تحت عباءة الإسماعيلية الباطنية

متخذةً من شرقيّ الجزيرة العربية (أرض البحرين وما حولها) عقر دار ومنطلقًا لشرورها

فامتد نشاطهم البغيض يعيث في الأرض فسادًا، ويملأ القلوب رعبًا

وما عرف التاريخ أجرأ منهم على حرمات الدين ولا أطمع في دماء المسلمين

فقد اشتهرت طائفتهم بأحداث كبرى اهتزت لها عمائم بغداد وعروش الأمصار

إذ عمدوا إلى تهديد طرق الحج وقطع السبل على قوافل الحجيج الآمنين، سالبين أموالهم

ومريقين دماءهم الطاهرة في الفلوات والصحاري

ولم تقف بهم الحال عند قطاع الطرق وسفك الدماء، بل بلغت بهم الجرأة مبلُغًا فضيعًا حين تطاولوا على أطهر

بقاع الأرض فاستباحوا الحرم المكي، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، في مشهدٍ أدمى قلوب أهل الإيمان

وظل جرحًا غائرًا في جسد الأمة

لقد تمخّض ذلك القرن الرابع الهجري عن فتنٍ كقطع الليل المظلم تكسّرت على صخورها نبال الأمن

وبقيت تلك الأحداث شاهدةً على محنة الخلافة وسلطانها الممزق بين براثن الباطنية وصولة الطامعين

الدولة الهادوية:

ولم ينقضِ ذلك القرن الرابع العجيب، الذي تشتّت فيه عصا الإسلام وتفرقت أياديه سبأ

حتى بزغ في الديار اليمنية طالعٌ آخر رسّخ قواعد فرقةٍ عريقةٍ من فرق الشيعة

ففي تلك الربوع المنيعة، أشرقت شمس الدولة الهادوية

لقد أسس لبناتها الأولى ونصب قواعدها الإمام يحيى بن الحسين الرسي، الملقّب بـ (الهادي إلى الحق)

فخفق لواء دعوته في اليمن العتيق، متخذاً من صعدة وما حولها معقلاً حصيناً

ولم تكن تلك الدولة وليدة صدفةٍ سياسية، بل غدت النواة الراسخة والركيزة الكبرى لتمكين المذهب الزيدي

بشقيه السياسي والفقهي في ربوع اليمن، ليضرب جذورًا عميقةً في تلك الجبال الشامخة

وانضاف ذلك إلى عقد ذلك العصر العجيب الذي تقاسمت فيه النفوذَ ركائزُ الشيعة بمختلف نزعاتها:

(الفاطمية الباطنية، والبويهية الإثنا عشرية، والقرامطة المارقة، وصولاً إلى الهادوية الزيدية)

في مشهدٍ تاريخيّ بليغ تكالبت فيه النحل والمذاهب على تمزيق جسد الخلافة الواحدة

وإعادة صياغة خريطة النفوذ في ديار الإسلام

 الرمزية السنية والنفوذ الشيعي في القرن الرابع الهجري

لم يكن المشهد الإسلامي في القرن الرابع الهجري صبغةً أحادية اللون

ولا انقساماً حدّياً بين شرقٍ سُنّيٍّ خالص وجنوبٍ أو غربٍ شيعيٍّ محض

بل كان بحق (عصر الدول المتعددة)

ومسرحاً لتنافسٍ مذهبي وسياسيٍّ واسع النطاق تتداخل فيه مناطق النفوذ والسيطرة

وفي صخب هذا التحول التاريخي، تجلّت دقة المشهد وطبيعته المركبة في محاور أساسية:

1-: الرمزية السنية في قلب السلطة: على الرغم من بسط البويهيين الشيعة سلطانهم على مقاليد الحكم

الإداري والعسكري في بغداد وخضوع أقاليم واسعة في مصر والشام والجزيرة العربية لقوى شيعية متعددة

(كالفاطميين والقرامطة والحمدانيين)، فقد ظلّ المنصب الديني الأبرز المتمثل في الخلافة العباسية محتفظاً

برمزيته السنية ورسالته المركزية وبقت بغداد حاضرةً علمية وثقافية شامخة

تلتقي في أروقتها أدبيات المذاهب السنية (من حنفية وشافعية وحنابلة)

لتتساجل وتتناظر مع بقية المدارس الكلامية والفكرية

2-: (نجد واليمامة).. العزلة وضغوط الجوار: يأخذ المشهد السياسي في وسط الجزيرة العربية طابعاً خاصاً

يُباين عواصم الخلافة في المشرق والمغرب ويتلخص حقيقة واقعها في بُعدين:

أ- إمارة بني الأخيضر في اليمامة: في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (تحديداً سنة 253 هـ / 867 م)

فقد أسس محمد بن يوسف الأخيضر (من العلويين الحسنيين) إمارته متخذاً من (الخضرمة) 

الخرج حالياً قاعدةً لحكمه

واستمرت هذه الأسرة تحكم أجزاء واسعة من اليمامة ووسط نجد طوال القرن الرابع ومطلع الخامس الهجري

ورغم نسبهم العلوي، إلا أن المصادر التاريخية لا تصف إمارتهم بأنها (دولة شيعية مذهبية) بالمعنى

السيادي المنظم كالمشرق والمغرب، بل كانت سلطة محلية استقلت عن بغداد وسط ظروف انكماش المركز

وعاش أهل نجد في كنفها في عزلة نسبية

ب- نفوذ القرامطة (الجار الشرقي لنجد): تمثلت القوة الكبرى ذات التوجه الشيعي الباطني 

في إقليم البحرين والأحساء بالدولة القرمطية

ورغم أن نجد واليمامة لم تكونا مركزاً مستقراً لحكم القرامطة المباشر

إلا أنهما وقعتا في مرمى غاراتهم العسكرية ومسالك حملاتهم نحو العراق والشام

مما جعل قبائل بادية نجد تحت وطأة هذا الضغط الخارجي والتأثر بقطع طرق الحجاج وحالة الاضطراب الأمني

لذا لا يصح تاريخياً وصف الواقع النجدي (وسط نجد) بالخضوع لنفوذٍ سياسي شيعيٍّ نافذ ومستقر بمفهومه

المؤسسي الشامل، بل كان الإقليم مجرد إمارة محلية مستقلة (الأخيضر يون) تعاني العزلة وانقطاع

الأخبار، مع تهديد وضغط خارجي مستمر من القرامطة

1-    الحرمان الشريفان.. بين غارات الباطنية والولاء السياسي المتأخر

لم تخضع مكة المكرمة والمدينة المنورة لنفوذ سياسي شيعي مستقر طوال القرن الرابع الهجري

بل مرتا بتحولات وتجاذبات معقدة عبر محطتين رئيسيتين:

1-    القرامطة واعتداءات الحرم المكي

فقد تعرضت مكة المكرمة سنة (317 هـ / 930 م) لأعنف هجوم تاريخي حين استباحها القرامطة

بقيادة أبي طاهر الجنابي في موسم الحج وارتكبوا مجزرة مروعة بحق الحجاج

واقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى الأحساء، حيث بقي هناك حتى أعيد سنة (339 هـ)

لم يمثل هذا الاعتداء حكماً أو سيطرة إدارية مستقرة، بل كان استباحة عسكرية وغارات لقطع الطرق

ومكة المكرمة: تأرجحت بين تبعية لولاة مصر (من عباسيين وإخشيديين) واضطرابات القرامطة

وعقب قيام الدولة الفاطمية في مصر سنة (358 هـ / 969 م) شهدت تحولاً تدريجياً لولاء أشراف مكة نحو القاهرة

فُذكر الخليفة الفاطمي على المنابر في إطار تبعية سياسية ودبلوماسية تتذبذب بحسب قوة الفاطميين

واستقلالية الأشراف المحليين المتقلبة ودخولهم الفلك الفاطمي

أما المدينة المنورة: ظلت في الغالب تحت النفوذ الإداري والرمزي التابع للخلافة العباسية

ونخلص من ذلك إلى أنه لم تُسلب راية السنة في القرن الرابع الهجري رغم انكماش السلطة المركزية

بل ظلت بغداد محتفظة برمزية الخلافة، وظل وسط الجزيرة يعيش استقلاله المحلي تحت عزلة نجد

وفي المقابل، مرّ الحرمان الشريفان بتقلبات سياسية بين مركزية بغداد والتبعية المتأخرة لفاطميي مصر

مما يجعل وصف هذه الحقبة بـ )السيطرة الشيعية التامة (قراءةً تبسيطية تغفل تعقيدات التاريخ وتوازناته الدقيقة

الدولة السامانية: قلعة الإشعاع السني

بينما كانت العواصم الكلاسيكية للحضارة الإسلامية تخضع لنفوذ سياسي شيعي نافذ

وتتكاثف على أرجائها أهوال الفتن وتلاطم الأمواج، أشرقت من وراء النهر وخراسان شمسٌ سنيةٌ وضاءة

تُعلن للناظرين أن المشهد لم يكن أحادي اللون بل كان مرجلاً تصارع فيه الحق والباطل، وتقاطعت عنده الحضارات

هناك، في المشرق الإسلامي البعيد، تجسدت الدولة السامانية (279–389 هـ / 819–999 م)

حصناً سُنّياً حصيناً، وسدّاً منيعاً وقف في طليعة الأمة يذود عن حمى العقيدة

ويردّ عاديات التيارات الباطنية العابثة، وجحافل القرامطة، والمدّ البوذي المتغلغل في أعماق آسيا الوسطى

ولم تقف رسالتها عند حدود الدفاع والصمود، بل اتسعت أفقاً وبناءً

فأنارت تخوم تركستان بشعاع الإسلام السني عبر أواصر التبادل التجاري وفتوح اليقين

ولم تكن الريادة السامانية مقصورةً على السيف والسنان أو القوة المذهبية فحسب

بل غدت صرحاً متوهجاً للإشعاع الثقافي، وعصراً ذهبياً لنهضة علمية وأدبية وفارسية-إسلامية فريدة

ففي ظلال سلطانهم العادل، تنفّس الصبحُ شعراً وأدباً على ألسنة أساطين البيان

وبزغت بدايات (الفردوسي)، ونهل العباقرة كـ (ابن سينا) من نمير بيئتهم الحاضنة للعلوم والمعارف

وهكذا أنجلى المشهد عن مفارقة تاريخية عجيبة

فبينما كانت بغداد دار الخلافة الشاخصة، ومصر والشام وأجزاء من الجزيرة العربية تقبع تحت وطأة

النفوذ الباطني والشيعي بتشعباته

كانت أرض خراسان وما وراء النهر في كنف السامانيين قلعةً شامخةً وحاضرةً مضيئة

أثبتت أن المشرق السني كان شريكاً أصيلاً في صياغة هوية تلك الحقبة

لتبقى راية السنة مرفوعةً ومتوهجة رغم عواصف الزمان

orent

أبو عبد العزيز


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق